علمتني الحياة - مشروع إثراء

علمتني الحياة أنها رحلة طويلة من الكفاح في كل مجالاتها، فمن تأمل في حياته وحياة غيره من البشر سيجد أنها سلسلة متصلة من المعارك والابتلاءات لا يكاد يخرج من واحدة حتى يدخل في غيرها، والغريب في هذا الموضوع ان هذه المكابدات لا تستثني أحدا مهما كان حاله وعمره ومستواه، فللأغنياء مشاكلهم كما للفقراء، وللكبار ما يشغلهم ويهمهم كما الصغار. بل إن ما نراه نعمة للبعض قد يكون نقمة على غيرهم كما قال الشاعر قديما (مصائب قوم عند قوم فوائد).

هذه الحالة المتشابكة تستلزم من العاقل تطوير آليات للتعامل معها بشكل نستطيع معه التعايش بأقل ضرر وكلفة، وقد اختلف الناس في ذلك وتباينوا كثيرا اعتمادا على عقولهم ومداركهم وقدراتهم النفسية والعاطفية وما مروا به من تجارب وأحداث، فالإنسان هو حصيلة كل ذلك بالإضافة الى بنيانه المادي وما يمتلك من أموال وأسباب.

فصنف من الناس ظن أن الحياة نزهة يجب فيها ان يحصل كل ما يريد وأن يستمتع بكل لحظة فيها، وذلك هو شأن صغار الأعمار والتجارب غالبا، فترى الواحد منهم ان صادفته عقبة أو صعوبة ظن أن ذلك ظلم له وبخس لشأنه وقدره، وانقلب شاكيا باكيا يملأ الدنيا ضجيجا وتبرما فأضاع عمره فيما لا يفيد.

وصنف آخر كان على العكس من ذلك اعتقد أن رحلته في هذه الحياة مجرد رحلة عبثية لا فائدة منها ولا ينبغي ان يحاول فيها شيئا، فاستحالت حياته الى مساحة قاتمة من التشاؤم

والسوداوية بلا غاية ولا هدف، يعيشها كما فرضتها عليه ظروفه بسلبية ويسخر من كل محاولة للإصلاح والبناء، فانحط بذلك الى أفق الجمادات والعجماوات وعاش ثقلا على الحياة وأهلها.

أما العاقلون فهم من فهموا الحياة بحلوها ومرها، وعلموا ان الحالين لا يدومان أبدا، هكذا خلقت وهكذا يجب أن نتعامل معها وفق منهج متوازن، وأن وظيفتنا كبشر هي عمارة هذه الدنيا في الفسحة التي يمتد فيها عمر الواحد منا وأن كلا منا مسؤول عن عمله في كل أحواله، وأن هذه الحياة طريق شائك متعرج محفوف بالمخاطر في كل أوقاته ولكن الله عز وجل بلطفه واحسانه زودنا بأدوات للتعامل معها متى أبصرناها وأحسنا استعمالها، فنعم الله علينا لا تعد ولا تحصى وكلها أدوات نافعة للتأقلم مع الصعوبات وتذليلها، فالقوة والمال والعقل والصبر والعلاقات المتوازنة بمن حولنا من أبناء جنسنا والاستخدام المتوازن لموارد الطبيعة من حولنا هي التي تخلق محيطا قابلا للعيش لكل منا بشرط أن نتعامل مع كل ذلك باعتدال ، وأن ندرك ان كل ما نمتلك من متاع قابل أن ينتزع منا بفقر او مرض او غيره من المصائب وإما أن ننتزع نحن منه بالموت، ولكن ذلك لا يجعلنا قانطين يائسين بل كل ذلك هو ما يحدد وجودنا ككائنات بشرية وهو ما يميزنا عن غيرنا من المخلوقات فتلك هي الأمانة التي يجب علينا تحملها والتي ستصبح هي سبب سعادتنا في دنيانا عبر تخطي الصعوبات وتحدى الآلام والمشاكل ، وسبب سعادتنا في الآخرة لما في ذلك من أجر عظيم. يقول الله عز وجل:

اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرّاً ثُمَّ يَكُونُ حُطَاماً وَفِي الْآَخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ * سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آَمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ

ويقولَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

مَا يُصِيبُ الْمُؤْمِنَ مِنْ شَوْكَةٍ فَمَا فَوْقَهَا إِلا رَفَعَهُ اللَّهُ بِهَا دَرَجَةً، أَوْ حَطَّ عَنْهُ بِهَا خَطِيئَةً.

عن الكاتب

يوسف أبوراوي

محب للحقيقة | أكره ثقافة القطيع | أستاذ جامعي في كلية تقنية المعلومات بمصراتة.

تعليقان



اضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.


يمكنك استخدام HTML وسوم واكواد : <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <s> <strike> <strong>

0

Your Cart