لماذا نتعلم !! - مشروع إثراء

سؤال بديهي يمر على ذهن كل من يلتحق بعملية تعليمية يصدر بشكل مباشر من طفل أو بأسلوب غير مباشر من طالب جامعي وبخاصة مع بداية كل فصل أو عام دراسي حينما يسجل أسماء مواد يقرر عليه دراستها ولا يعلم عنها غير الاسم، وبكل شغف وبدافع الالتزام الدراسي يتلقى أولى محاضراتها وقد يطفو بذهنه سؤال: لماذا ندرس هذه المادة، وما النفع الذى سيجنيه الطلاب من دراستها، وما علاقتها بمجال تخصصاتهم العلمية؟

وهذا ما يشير لغياب دليل الطالب الجامعي والإرشاد الطلابي أوقصور دور الأستاذ الجامعي في تعريف الطالب بعلاقة مفردات المقرر الدراسي بتخصصه العلمي وأهداف تدريس المقرر، وبعض أوجه النفع التي يتوقع أن تعود على الطالب بعد دراسته، أو لعدم اهتمام الطالب بحضور أولى محاضرات المقرر الدراسي وفق اعتقاد خاطئ منه بعد انتظام سير العملية التعليمية ببداية كل فصل أو عام دراسي.

وعلى الرغم من أن الإجابة على هذا التساؤل لخصتها جامعة مصراتة في شعار حملته هو: العلم نور إدراكًا منها بشدة علاقة التعليم بالتنوير، والأخير يتقارب مع التثقيف أو يعد هدفاً له، فكل من التعليم والتثقيف يعتمد في بنائه على المعلومات، وهدف العملية التدريسية تبسيط المعلومة وإكسابها للطالب بأسلوب سلس يلائم مع مستوى إدراكه المعرفي.

فعندما تتلقى معلومة ما ويعمل عقلك بها فتنسج وتتواصل مع معلومات أخرى سبق حفظها بذاكرتك البشرية الدائمة فهذا ما يثير إنتاج معلومات أخرى أو يدفعك للبحث عن غيرها من المعلومات، فكل معلومة تتلقاها تمثل نقطة ضوء بذهنك، فأحياناً ما نصدر بعض قراراتنا بناء على معلومة نملكها، بل إن إدارة الدول تتم في ضوء ما تملكه من معلومات فما بالك من إدارة الذات.

وهذا ما يعكس إشكالية تدور حول السؤال التالي: هل المعلومة أهم أم الاشتغال بها لحسن توظيفها؟

وأرى أن الإجابة الصائبة الإثنان معًا فلا غنى لكل منها عن الأخرى، فلا توظيف معرفي يقع في غياب معلومة والمعلومة لن تأتي بقدر كبير من النفع في غياب عن حسن توظيفها.

إلا أن هذا الأمر يفرض على جميع المؤسسات التعليمية أن تتدارك إكسابه لكل متعلم تقدم له خدماتها، فكم من المعلومات تضمها كتب مقررات قرر علينا دراستها في مراحل تعليمنا قبل الجامعي وتم تلقيننا لها دون أن ندرك أسلوب حسن توظيفها أو نتدبر فيها لنجني نفعها.

ولما كانت مخرجات مرحلة التعليم الثانوي تمثل مدخلات التعليم الجامعي، ولما كان التعليم تراكمياً فإن جودة كل مرحلة سابقة ترتبط بجودة كل مرحلة تالية لها، فلا شك في أن مستوى تحصيل الطالب الجامعي للمعلومات وحسن توظيفها يرتبط إلى حد ما بخبراته التعليمية السابقة، وهذا ما يشكل إحدى تحديات التعليم الجامعي في جميع دول العالم، وتظلم في ذلك الشأن الجامعة باعتبارها آخر مؤسسة تعليمية تخرج طالب العلم منها، بل ويحتسب مستوى جودته بحياته العملية على اسم الجامعة التي قدمته لسوق العمل، فلا يسيء تقصيره في اكتساب المعلومات لنفسه فقط بل ولاسم الجامعة التي تخرج منها مما يترك أثراً على صورتها الذهنية لدى مثيلاتها، ويؤثر في مستوى تقييم مدى كفاءة وجودة مخرجاتها وترحيب سوق العمل بها.

فلا يسأل المتقدم لشغل وظيفة ما عن اسم المدارس التي تعلم فيها قبل أن يسأل عن اسم الجامعة التي تخرج منها، ولا شك في أن إدارة التعليم العالي في أية دولة تتحمل قدرا من إخفاق بعض أو أغلب مخرجاتها لكن لا يجب أن تتحمل كافة أوجه قصور مراحل التعليم بمفردها، هذا بخلاف البيئة الحاضنة لمؤسسات التعليم وثقافتها، فالجامعة ابنة بيئتها، إذ يمثل ثلثي أسس العملية التعليمية بشر سواء كان متعلماً أو معلماً، فلا تتأثر العملية التعليمية بالحجر الذى يتمثل في إنشاءات ومبان تعليمية بقدر ما تتوقف على مستوى البشر، وإن كان الطالب يخضع لامتحان جزئي ونهائي بكل مقرر دراسي، فمن يعلمه يخضع لتقييم كل طالب في كل لحظة تدريسية، باعتبار أن متلقى الخدمة التعليمية هو من يستطيع الحكم على مقدمها، وهذا ما يفسر لنا لماذا تعتمد بعض الجامعات على تقييم الطالب للأستاذ الجامعي؟ إلا أن ثقافتنا ببعض الدول العربية لا تتقبل العمل بهذه الآلية على الرغم من منطقية طرحها بحكم المكانة التي نحملها في نفوسنا لكل من علمنا حرفا وليس التي نمنحها لأنفسنا.

أي بدافع عاطفي وهو العامل المؤثر في ثقافة بعض شعوبنا، ويمتد هذا الدافع ليؤثر على العملية التعليمية برمتها، فهذا الأستاذ يحبه بعض الطلاب ويحبون بالتبعية المقررات التي يدرسها، أمر يشير إلى أهمية جودة الاتصال في العملية التعليمية وحسن سيطرة وقيادة الأستاذ له باعتباره المكلف للقيام بدور مرسل المعلومة والطالب مكلف بدور من يستقبلها في موقف اتصالي يتسم بالألفة والتراحم وطيب العلاقة الإنسانية، ولا يتسم بالجفاف والجفاء والتعالي والتكبر فمن تكبر لم يتعلم، هذا ما اكتسبته ممن تعلمت على يديهم.

أما مهارات الاتصال في العملية التعليمية فتختلف من أستاذ لآخر بحكم الفروق الفردية وإن كان جميعهم من المفترض أن يكتسب أهمها، وبخاصة مهارتا الإنصات والتحدث، وهذا ما يعكس أهمية الخبرات التدريسية، فليس كل أستاذ لديه مهارات توصيل المعلومة بطريقة يسهل على الطلاب فهمها واستيعابها وحسن التعبير عنها بل وتوظيفها، لذا أنصح طلابي لدورهم المنتظر في ممارسة صناعة الإعلام الليبي بعدم نقل وتداول معلومة إلا بعد فهمها، وهي كعملية أشبه بعملية هضم الطعام، حتى يحدث تمثيل معرفي لها، فتؤثر في العقل وتتأثر به، ومن ثم تتضح لهم قبل أن يتم تنوير الآخر بها من خلال نشرها.

لذا تحرص أغلب الجامعات على إخضاع جميع أعضاء هيئة التدريس المشتغلين بها لبرامج تدريب مستمر بهدف تطوير وتنمية قدراتهم التدريسية لاتباع أحدث طرق التدريس وأساليب تقييم متطورة، وكيفية استخدام الوسائل التكنولوجية الحديثة في العملية التعليمية، وبرامج تدريبية أخرى تستهدف تنمية أساليب تقويم أداء الطالب الجامعي، فالتعليم لا يقتصر على إكساب معلومة بل يشمل سلوك وتقديم نموذج القدوة، سواء تم ذلك بأسلوب لفظي أو غير لفظي، لذا قبل أن نلقي اللوم على الطالب لابد من إخضاع أنفسنا كأساتذة وإدارة أكاديمية لعملية تقييم ونقد ذاتي، حتى نتجنب العمل بمبدأ أنا لست دائماً على صواب والآخر على خطأ.

عن الكاتب

أشرف قادوس

أستاذ مساعد بكلية الفنون والإعلام

تعليقان



اضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.


يمكنك استخدام HTML وسوم واكواد : <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <s> <strike> <strong>

0

Your Cart