معجم كتاب (العَيْن) في اللغة (بين الخليل وتلاميذه) - مشروع إثراء

يُعدُّ المعجم اللغوي (العين) من أقدم ما وصل إلينا من كتب اللغة العربية، وقد اختلف في نسبته إلى مؤلفه؛ فقيل: هو للخليل بن أحمد الفراهيدي (ت175ه)، قال السيوطي في المزهر: وهو أول من صنف فيه، في جمع اللغة، وهذا الكتاب أول التأليف. وقال الإمام الرازي في المحصول: أصل الكتب في اللغة: كتاب العين، وأطبق الجمهور على القدح فيه. ويفهم من كلام السيرافي في طبقاته: أن الخليل لم يكمله. بل أكثر الناس أنكروا كونه من تصنيفه. قال بعضهم: وإنما هو لليث بن نصر بن سيار الخراساني. وقيل: عمل الخليل قطعة من أوله، إلى آخر حرف العين، ثم أكمله الليث. ولهذا لا يشبه أوله آخره.

وأورد ياقوت في معجم الأدباء عن ابن المعتز أنه قال: كان الخليل منقطعًا إلى الليث، فلما صنفه وقع عنده موقعًا عظيمًا، فأقبل على حفظه، وحفظ منه النصف، ثم اتفق أنه احترق، ولم يكن عنده نسخة أخرى، والخليل قد مات، فأملى النصف من حفظه، وجمع علماء عصره ليكملوه، فكملوه على نمطه.

وعن أبي الطيب اللغوي: أن الخليل، رتب أبوابه، وتوفي من قبل أن يحشوه. قال ثعلب: وقد حشاه قوم من العلماء، إلا أنه لم يؤخذ عنهم رواية، فاختل لهذا.

وعن ابن راهويه: كان الخليل عمل منه باب العين وحده، وأحب الليث أن ينفق سوق الخليل، فصنف باقيه، وسمى نفسه الخليل، من حبه له؛ فهو إذا قال فيه: قال الخليل بن أحمد، فهو الخليل، وإذا قال: قال الخليل، مطلقًا، فهو يحكي عن نفسه، فجميع ما فيه من الخلل منه، لا من الخليل.

وأما قدح الناس فيه؛ فقال ابن جني، في الخصائص: أما كتاب العين ففيه من التخليط، والخلل، والفساد، ما لا يجوز أن يحمل على أصغر أتباع الخليل، فضلًا عنه نفسه. واختصره أبو بكر الزبيدي الأندلسي اللغوي، وقال فيه: إنه لا يصح أنه له، ولا يثبت عنه، وأكثر الظن فيه أن الخليل سَبَّبَ أصله، ثم هلك قبل إكماله، فأتمه من لا يقدر على ذلك؛ فكان ذلك سبب الخلل. والدليل على ما ذكره ثعلب: اختلاف النسخ، واضطراب رواياته.

وعن أبي علي القالي: لما ورد كتاب العين من بلاد خراسان، في زمن أبي حاتم، أنكره هو وأصحابه أشد الإنكار؛ لأن الخليل لو كان ألفه، لحمله أصحابه عنه، وكانوا أولى بذلك من رجل مجهول. ولما مضت بعده مدة طويلة، ظهر الكتاب في زمان أبي حاتم، في حدود سنة 250ه، فلم يلتفت أحد من العلماء إليه.

ومن الدليل على كونه لغير الخليل: أن جميع ما وقع فيه من معاني النحو إنما هو على مذهب الكوفيين، وبخلاف مذهب البصريين، على خلاف ما ذكره سيبويه عن الخليل، وسيبويه حامل علم الخليل. وفيه خلط الرباعي، والخماسي، من أولهما إلى آخرهما.

قال السيوطي: وقد طالعته فرأيت وجه التخطئة غالبًا من جهة التصريف والاشتقاق فقط، وحينئذ لا قدح فيه، فالإنكار راجع إلى الترتيب، وهذا أمر هين، وإن كان مقام الخليل يتنزه عن ارتكاب مثل ذلك، فلا يمنع الوثوق به، والاعتماد عليه. وأما التصحيف فمن ذا الذي سلم من التصحيف.

قال ابن خلكان: وأكثر العلماء يقولون: إن كتاب العين ليس من تصنيف الخليل، وإنما كان قد شرع فيه ورتب أوائله وسماه بـ(العين)، ثم مات، فأكمله تلامذته: النضر بن شميل ومن في طبقته، وهم: مؤرج السدوسي، ونصر بن علي الجهضمي، وغيرهما. وقال رمضان عبد التواب: أكمله بعده تلميذه الليث بن نصر بن سيار في أصح الأقوال. فخلاصة القول أن مبدأ الكتاب من الخليل، ثم أكمله بعض تلاميذه. والله- تعالى- أعلم.

عن الكاتب

عضو هيئة تدريس بقسم اللغة العربية، كلية التربية


اضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.


يمكنك استخدام HTML وسوم واكواد : <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <s> <strike> <strong>