إبداع الخط العربي (مقدمة) - مشروع إثراء

abjad-hawaz

بداية، يمكن لأي شخص أن يستمتع ويستفيد من هذه السلسلة التعليمية، والذين من ضمنهم اولئك الذين ليس لديهم معرفة سابقة باللغة العربية، لكن من الضروري أن نبدأ بمقدمة عن النصوص والحروف الأبجدية قبل البدء في العمل مع الخطوط، لهذا السبب سيكون الدرس الأول شبيه إلى حد ما بالمحاضرة النظرية. ومع ذلك، حتى الناطقين بغير العربية قد يجد شيئا لم يعرفه من قبل، كما أنه ليس بالضرورة أن نكون قد تعلمنا بالسيناريو نفسه في المدرسة أو الحياة اليومية.

ما أهدف إليه من خلال هذه السلسلة التعليمية هو ليست الكتابات التقليدية التي تثيرها كلمة “فن الخط العربي”، فهي جميلة جداً، ورسمية جداً، وتحتاج إلى وقت طويل من التدريب المتكرر لرسمها بشكل صحيح، وحتى وقت أطول لتكون قادر على التعبير عن نفسك من خلالها، “ثم اجعل التمثيل دأبك صابراً” هذا ما قاله ابن البواب أحد الأسماء الفنية المعروفة في مجال الخط العربي.

ليس هناك سوى عدد قليل من الناس في العالم يقوم بذلك اليوم، معظم الممارسين يقومون باستخدام ما تعلموه كما تعلموه، بينما عدد كبير من طلاب الخط، كما لاحظت، يفقدون المتعة والشغف قبل القيام بممارسة هذه الهواية بالشكل المطلوب.

هذا ليس انتقاداً لهذا النهج التقليدي، فهو جميل جداً، ويناسب الكثيرين، لكن ليس الكل. لأولئك الذين يرغبون في استخدام الخط العربي بطريقة ابداعية، فقد وضعت هذه الدورة، وأعددتها وقد قمت بتدريسها في لندن.

محتوى هذه الدورة أصلي تماماً، فقد بلورت كل ذلك من ممارستي الخاصة، والتي اكتسبتها من سيد كان يدرس بطريقة غير تقليدية ولا يستخدم أي نظرية على الاطلاق، لكنه جعلني أعمل لسنوات عديدة حتى أصبحت هذه المادة حقيقية. بالتالي، فهي قد لا تتقاطع مع أي مقرر دراسي رسمي يدرس من قبل الخطاطين مع ترخيص رسمي (إجازة).

الهدف من هذه السلسلة ليس تعليمك كيفية تقليد الأشكال، ولكن هو إعطائك الفهم الجيد للحروف وكيفية وضعها معاً، بحيث تستطيع تكوينها وتصميمها بنفسك، كما فعلت أنا، ولذلك سوف نعمل معاً مع الخط الكوفي.

الخطوط المستقيمة والخطوط المستديرة من ناحية تاريخية

يمكن تقسيم نصوص الخطوط العربية إلى قسمين رئيسيين هما: الخطوط المستقيمة (الكوفي) والخطوط المتصلة أو المستديرة. وعلى الرغم من أنه كثيراً ما عُرض الخط الكوفي على أنه خط منفرد (نص معين بين البقية)، ولكن ذلك غير صحيح، ولتوضيح ذلك سأذكر لكم بإيجاز تاريخ كل من هاتين العائلتين وشرح الاختلافات الرئيسية بينهما.

ولادة الخطوط المستقيمة

في أيام ما قبل الاسلام، كانت الكتابة معروفة لذا شعوب شبه الجزيرة العربية، وكان الخط العربي يستخدم بطريقة بدائية جداً، وقد كانت بدائية لأنها كانت تستخدم بشكل بسيط في ذلك الوقت، لكونها ثقافة مع تقليد شفهي قوي، وأوائل النصوص التي وصلت إلينا تُظهر كل الاحراج الموجود في النظام والذي لم يجد ساقيه بعد. وهذه عينة من النصوص العربية الأولى وصولا إلى ولادة الاسلام.

early-script

ثم بين عشية وضحاها، وجدوا أنفسهم في حوزة شيء لابد من الحفاظ عليه ليس فقط كلمة لكلمة، لكن وصولاً إلى الوقوف بين الكلمات. وكان هذا هو القرآن، والذي كان يتطلب النسخ، والذي اكتسبت معه العربية مكانة خاصة، والتي أصبح يُنظر إليها على أنها لغة الله المختارة لصاحب الوحي. كانت الحروف الأبجدية بمثابة الكائنات السحرية القادرة على الحفاظ على الكلمات الإلهية.

لذلك أعطت النسخ الأولى سيناريو التحول إلى النص: فالخط الكوفي كان أول الخطوط العربية التي تم تكوينها بطريقة جمالية، كانت ذلك ولايزال عند القائمين على تلاوة القرآن ويعرفونه عن ظهر قلب. لذلك فإن الجانب العملي للوضوح كان ذو أهمية ثانوية، بحيث كان الأكثر أهمية هو الجمال المطلق للنص، وتوازنه وانسجامه والشعور بالوحي. الصورة التالية تبين القرآن في القرن الثامن والتاسع الميلادي.

frontispiece

كان ذلك وقت رائع بالنسبة للخط، عندما لم يكن هناك قواعد بعد والخطاطين يلعبون في مجال لانهائي من الاحتمالات. النظام الذي تبلور كان متماسكاً، ولم يتمركز حول أشكال، الكوفي كان نظاماً أساسياً، حيث أن الشكل يمكن اختراعه باستمرار.

وهكذا فإننا نرى اصدارات مختلفة منه يتم تكييفها بحبر على رق، وغيرها مناسبة على الحجر، فسيفساء أو حتى الطوب (أول بكسل للخطوط في العالم)، الكل يعترف بأنه كوفي، ولكن في الواقع لا يوجد اثنان متطابقان، فأحدهما مُغاير، المختلف يسمى الكوفي الشرقي أو المكسور، فهو مرهف ومتناقض مع الديناميكية والأقطار، كما لو تتأثر بالأنماط المستديرة ولكن دون أن تفقد صفات الكوفي. نمط الخط الكوفي الوحيد المتمركز هو الخط الكوفي المربع، وذلك لأنه الشكل الأكثر بساطة للكتابة العربية.

blue-kufi

القرآن الكريم في وقت مبكر بالخط الكوفي (القرن التاسع)

topkapi

الكوفي المربع والكوفي الهندسي من التمرير التوبكابي (إيران، السلالة الصفوية، القرن الخامس عشر)

eastern

الكوفي الشرقي (القرن الحادي عشر)

ornamental

الكوفي الزخرفي على وعاء من نيسابور (القرن العاشر)

ولمدة 300 سنة، كان الخط الكوفي فقط جميل وثري بما فيه الكفاية لكتابة القرآن الكريم، وفي المغرب أي شمال أفريقيا وأراضي غرب مصر، لم يفقد الكوفي مكانته، لكنه تطور خاصة أشكال المخطوطات.

maghribi-

القرآن من شمال أفريقيا في مخطوطة مغربية (القرن الثالث عشر)

ظهور الخطوط المستديرة أو المتصلة

من ناحية أخرى، في المشرق (بلاد الشام والشرق الأوسط)، حيث توجد عواصم العالم الاسلامي، كميات هائلة من العمل الإداري تعني العديد من الكتب المهنية، والتي لا محالة أدت إلى ظهور المخطوطات أو النصوص المستديرة، الأسرع في الكتابة والأكثر تكيفاً مع الرسائل الصغيرة والوثائق الرسمية.

في نهاية المطاف، جرت محاولات عديدة لترتقي بمستوى النصوص المستديرة إلى مكانة النصوص الكوفية، لجعلها تليق بالخطوط المقدسة، لا سيما بظهور الورق على الساحة، وكان ذو خصائص مختلفة تماماً عن الرق.

هذا كان بمثابة التطور التدريجي، لكن سمات التراث الشعبي لرجل واحد، وهو ابن مقلة، الذي نقله إلى أن يصبح الأب الأسطوري للخط الإسلامي الكلاسيكي، ويقال بأنه قد اخترع نظام النسب بحيث تعتمد كل الحروف على ارتفاع الألف، والذي يتم رسمه في علاقة مع سمك القلم المستخدم.

هذا خلق الانسجام والاتساق في النصوص، وتماماً كما أن اختراع الزجاج قد غير مجرى صناعة الزجاج، فإن ذلك قد وضع الخط على مسار جديد، ومنذ ذلك الوقت لم تبذل أي مقارنات جديدة (هنا نقف ونفكر، ذلك يعني أن الخط لم يتطور بشكل ملحوظ منذ القرن العاشر الميلادي).

تم انشاء ستة أنماط (الأقلام الستة) من الخطوط الاسلامية التقليدية من قبل ابن مقلة وخلفائه ابن البواب وياقوت. وهي: النسخ (أساس لمعظم الخطوط العربية)، الثلث، المحقق، الريحاني، الرقعة والتوقيع.

thuluth

سطر بخط الثلث (القرن الثالث عشر)

naskh

القرآن بخط النسخ (بداية القرن العشرين)

muhaqqaq

خط المحقق (القرن الرابع عشر)

tawqi

القرآن بخط التوقيع (القرن الرباع عشر)

كانت هذه هي المساهمة الأخيرة من هذا الجزء من العالم، بعد سقوط الدولة العباسية في العام 1258، المركز الثقافي وقوة العالم انتقلت من بغداد إلى بلاد فارس، حيث تم تطوير النصوص الفارسية مثل تعليق، ونستعليق (لايزال النص الرسمي للفارسية والأردية). وفي العام 1517 جاء الدور على العثمانيين في وراثة العالم الاسلامي، وقد قدمت لنا التطورات التركية الخط الديواني وخط الرقعة، والذي يستند اليوم على خط اليد في جميع أنحاء العالم العربي. نشأت مخطوطات أخرى في اندونيسيا، لكنها لم يكن لديها تأثير على تاريخ الخط ككل.

taliq

خط تعليق (القرن السادس عشر)

nastaliq

خط نستعليق (القرن الثامن عشر والتاسع عشر)

diwani

الخط الديواني والديواني الجليل

مقارنة

يطلق على الخط الدائري في العربية بالخط المنسوب، وهو الخط المنظم والمتوافق، وهذا هو الفرق الرئيسي بينه وبين الكوفي، النصوص المستديرة تكون ذات طابع رسمي، حيث أن هناك قواعد محددة جداً لكتابة كل حرف منها ولربطها مع بعض، قواعد تُمارس حتى تتبعها اليد تلقائياً.

هذا هو التأثير الكبير، ولكنه على حساب حرية الابداع. في الواقع كانت تلك علامة من الخطاط الكبير بحيث أن عمله يكون كما لو أنه لا دخل ليد الانسان فيه، ناهيك عن شخصيته الخاصة. هذا هو السبب في كون أن الخطوط المستديرة تكون سهلة التعلم (لا تستلزم الكثير من التفكير) ولكنها تتطلب اتقاناً أكثر.

في المقابل، فإن الخط الكوفي صعب التعلم ويتطلب الكثير من الدقة والممارسة من الطالب، ولكن على اعتباره نهجاً عوضاً عن كونه صيغة فكرية، فعمل كل طالب سيكون فريداً ومعبراً عن شخصيته، كما قال أستاذي “إن العودة إلى الخط الكوفي هو العودة إلى لحظة التكوين الأولى”.

الأبجدية

ليس مطلوباً منك أن تتكلم العربية لتعمل مع الخط، في الحقيقة هذه النصوص استعملت في العديد من اللغات والتي منها الفارسية والأردية. ولكنك في حاجة إلى علاقة حميمة مع الحروف، لذا في هذا الدرس، وقبل أن نتعلم فن الخط أو فن الكتابة الجميلة، فنحن بحاجة إلى تعلم الكتابة نفسها.

الحروف الأبجدية العربية واللاتينية والفينيقية نشأت في الوقت نفسه، وبالتالي فهناك أوجه تشابه كثيرة بينها (فالحروف تكون متشابهة في اللفظ، على سبيل المثال)، لكنها مختلفة جداً من نواحي أخرى، وهنا بعض الملامح لتكون على بينة من أن المستخدم الغربي قد يجد صعوبة أكثر.

  • العربية تُكتب من اليمين إلى اليسار.
  • هناك 28 حرفاً، ولكن الكثير منها تختلف في النقاط، لذلك، وفي الواقع هناك فقط 18 شكل من الحروف، صرفت إلى 28 صوت، وهذا قليل من كثير عند النظر إلى الحروف بشيء من التفصيل.
  • لا وجود لحروف العلة، فيشار إلى أصوات العلة عن طريق نظام التشكيل والذي سوف نتناوله بالتفصيل في درس لاحق، في كثير من الأحيان لا نشير إلى هذه الأصوات على الاطلاق. وفي الخط، من الممكن اضافتها للزينة، أو من الممكن تجاهلها تماماً.
  • لا وجود للواصلة، فالكلمة يجب أن تنتهي في نفس الخط الذي بدأت منه.
  • الحروف ليس لها صيغ كبيرة. وبدلاً من ذلك، فإن شكلها يتغير بتغير موقعها في الكلمة (أولي، وسطي، نهائي أو معزول). يبدو هذا أكثر تعقيداً مما هو عليه في الواقع، لأن الحروف القليلة تتغير بشكل دراماتيكي. في الحقيقة، فإن البعض منها فقط له شكل واحد. النقطة الجديرة بالاهتمام هي كونها متصلة أو غير متصلة (انظر النقطة التالية).
  • في النصوص اللاتينية (الانجليزية مثلاً)، الحروف تكون متصلة في الكتابة اليدوية أو خطياً، وتكون منفصلة عند الطباعة. في العربية، فهي تعتمد على الحروف، كل الحروف من الممكن أن تتصل من جهة اليمين، ولكن بعض الحروف لا تتصل من جهة اليسار. ويقول الشعر التقليدي بأن هذه الحروف حروف ملائكية، وعندما أتحدث عن الحروف غير المتصلة، فأنا أشير هنا إلى الحروف التي لا تتصل من جهة اليسار.

non-connecting

في الصورة التالية، الحروف رتبت معاً في مجموعات من الأشكال المتشابهة، في تسلسل يعرف بالتسلسل الجرافيكي (المستخدم في القواميس الحديثة). يبين هذا الرسم البياني الحروف بشكل منعزل، وكيف لمجموعات من الحروف أن تشترك في نفس شكل الحرف، كما يعطيك أسمائها، والتي من المفيد أن تعرفها.

abjad

ملاحظة: نطق بعض الحروف مثل حرف الجيم من الممكن أن يختلف اختلافاً كبيراً في جميع أنحاء العالم العربي.

المخطط القادم يظهر لك فقط أشكال الحروف ال 18، في أشكالها النهائية، الوسطى والأولية، والحروف الغير مرتبطة ستجد عليها علامة حمراء، الأشكال التي باللون الأسود هي مختلفة في الواقع، والأشكال الرمادية موجودة لإعطاء الصورة بالكامل.

إذا نظرت إليها عن كتب، ستلاحظ أنها ليست أشكال مختلفة عن تلك الحروف في كل شيء، فقط قم بمعاينة شكلها عند اتصالها من جهة اليمين، لذلك فمن الآمن أن تتجاهلها. لكن تلك السوداء تُغير الواقع تماماً، وسنقوم بشرح ذلك في الدرس القادم (تشريح أشكال الحروف).

forms

وفيما يلي المخطط الأخير والذي يبين التسلسل الرقمي الأصلي بشكل أكثر وضوحاً، وكما كان الحال بالنسبة لكثير من الحروف الهجائية، العربية ليس لديها رموز منفصلة للأرقام (1234……)، لكن لكل حرف قيمة عددية من الممكن استخدامها للإشارة إلى عدد، التسلسل الرقمي يعكس هذا الترتيب، وهو معروف بأبجد هوز، وسيلة للفظ والتذكر (من اليمين إلى اليسار): أبجد هوز حطي كلمن سعفص قرشت ثخذ ضظغ.

abjad-hawaz

هذه الكلمات لا تعني شيء، ولكن في الرمزية الباطنة هي أسماء لثمانية من الملائكة يحملون العرش الإلهي المحيط بالعالم. هذا يمنحك شعوراً بأهمية الكونية المنقولة على الأبجدية هنا لدعم وتطويق الكون المعروف.

عن الكاتب

أحمد أبوالشرود

عضو هيئة تدريس بجامعة مصراتة كلية تقنية المعلومات

تعليقان



اضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.


يمكنك استخدام HTML وسوم واكواد : <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <s> <strike> <strong>