النيهوم .. المفكر الليبي الكبير؟ - مشروع إثراء

عندما يُطرح اسم الصادق النيهوم في أي جدل ثقافي فإن الرأي ينقسم اثنين: إما أنه مفكر لم يولد مثله بعد في ليبيا، وإما أنه ذاك العلماني المهرطق الذي لا يكاد يعقل شيئاً. وعلى أي حال، فإن الرأيين يشيان بكثير من الاستقطابية والتحيز. فكيف يمكننا أن نقرأ النيهوم؟

النيهوم مفكر وُلد في زمن كانت فيه ليبيا (وربّما لا تزال) تعتمد على المرجعية الدينية والقبلية بشكل كبير جداً في تحديد أولوياتها وأخلاقياتها وقراراتها دون أن تفكر لوحدها في أبسط الأمور. كان للنيهوم تراث كبير في المجال الثقافي والنقد الديني والمجتمعي، وقد عدّه الكثير وحيد زمانه في مجال نقد فكرة “فقيه الجامع”. ولكن السؤال الحقيقي، هل يعتبر النيهوم مفكراً حقيقياً حيث إنه أسس لنفسه قاعدة منهجية يستنبط ويستنهج منها ويبني عليها فكرة النسقي؟ هل يلتزم النيهوم بضوابط وأخلاقيات المعرفة؟

الإجابة بشكل عادل هي لا، فالنيهوم كاتب لا يكاد يذكر أي مصدر من مصادره في كتبه والتي تطرح مواضيع حساسة كنقد الأديان ومواضيع حريات المرأة والنقد المجتمعي وغيرها. فمسألة عدم ذكر المصادر ليست مجرد رتابة أكاديمية واعتراف بالفضل، بل هي أكثر من ذلك، فالنيهوم يبني أفكاره على تلك الأفكار التي لا يصطحب لها مصادر والتي تحتاج إلى المراجعة من القارئ الدقيق والناقد، فمثلاً، نشرت جريدة “الليبيان تايمز” الصادرة بالإنجليزية في عام 1968 مقاطع من مقال نشره النيهوم في جريدة الحقيقة بعنوان “شحّاذ في سوق بغداد” يصور فيه النيهوم البترول في الدول النامية بمصباح علاء الدين السحري من منطلق الفقير المعثّر الذي وقعت كنوز العالم في يده، فنسي أنه كان فقيراً يوماً ولم ينظر إلى الفقراء ويعطف عليهم وابتلعه الجشع، واستطرد النيهوم بذكر أمثلة كثيرة على ذلك ولكنه صبّ تركيزه على فنزويلا وتجربتها في ذلك الوقت، وذكر إحصائيات كثيرة مثل أن فنزويلا تنتج النفط منذ 48 سنة (1920 – 1968) وتنتج الذهب والحديد، ومع ذلك فإن نسبة الأمية تصل إلى 49%، وهذه مغالطة كبيرة، فقد رد السيد فالنتين أكوشا سفير فنزويلا في ذلك الوقت عليه قائلاً إن نسبة الأمية هي 4.2% فقط، وهذه للتمثيل فقط ويمكن الرجوع لكتاب “الدلّال” للنيهوم لقراءة المقال والرد بالتفصيل.

لنسرد مثالاً آخراً، في كتاب “صوت الناس” يستقرئ النيهوم فيه هيمنة الغرب على الشرق في كل شيء لدرجة وصلت بالغرب السيطرة على المسلمين من خلال تحريف معاني التسميات، أن أن ما نطلقه من تسميات على الأشياء ليس بأيدينا بل هو لدى المستعمر فهو يملك كل شيء، واستدعى أمثلة كثيرة منها ذكره أن كلمة culture والتي تعني ثقافة لا يتم اشتقاق كلمة مثقف منها، بل كلمة مثقف هي intellectual، ويعزو النيهوم ذلك إلى أن كلمة culture هي كلمة قديمة تشمل كل الثقافات من الدين واللباس والعادات والعرف والخرافة… الخ. بينما كلمة intellectual هي كلمة جديدة نشأت في القرن التاسع العاشر وهي نتاج الحداثة الأوروبية العلمانية، ويقول: إن ترجمة كلمة intellectual بالعربية بـ مثقف هي خلط كبير، فهي تجبر المثقف أن يكون علمانياً وأن يفكر خارج إطار الدين، وهذا خلط كبير، فالنيهوم بداية لم يذكر مصادره ومن أين جاء بهذا الكلام، فالكلمتان ذات أصل لاتيني. كلمة culture يرجع أصلها إلى “أرض قابلة للزراعة” ومنها اشتقاق cultivate يحرث أو يزرع، وهذا منطقي لأن الشعوب تطور ثقافة بعد مكوثها في أرض ما مدة من الزمن، أما كلمة intellect فتعني الفهم، وهي كلمة قديمة الاستعمال يرجع استخدامها إلى القرن السابع عشر، وهي مرتبطة بكلمة intelligent ذكي، وهي كلمة يفضل استخدامها اللاهوتيون والفلاسفة لأن لها دلالة قوية وعميقة في الإشارة إلى معرفة الله. ويمكن الرجوع إلى تفصيل أكبر في قاموس (أكسفورد).

وإلى جانب إخفاء المصادر، فالنيهوم متهم بالسرقات الأدبية. ففي حوار أجري مع النيهوم عام 1978 سأله رضوان أبوشويشة عن سر التشابه الكبير والغريب بين رواية همنجواي “الرجل العجوز والبحر” وبين رواية النيهوم “من مكة إلى هنا”، ويمكن الرجوع لتفصيل جيّد لهذا في كتاب “الحياة الاجتماعية في الرواية الليبية” للدكتور أحمد الشيلابي. على أية حال، كان رد النيهوم الإنكار التام للموضوع وقد قال: إنه لم يقرأ شيئاً لهمنجواي أصلاً، وهذا عجيب، ففي رسالة للنيهوم إلى الفاخري نرى أن النيهوم يقتبس من همنجواي، أي أنه قرأ له ويعرفه. ليس هذا فقط، أردف أبوشويشة قائلاً: إن النيهوم لا يمتلك مشروعاً فكرياً حقيقياً، وإن مقالاته هي مجرد جام غضب يصبه النيهوم على رجالات الدين، فغضب النيهوم وأشار إليه بقراءة كتابه “نقاش” والذي يفتخر به النيهوم كثيراً. فهل هذا الكتاب هو عصارة نيهومية أصلية؟ بالطبع لا، فالكتاب باختصار مليء بالاقتباسات غير المعزوة إلى صاحبها عالم النفس إريك فروم، الذي يتحدث عن موقع الإنسان في الكون.

النيهوم قارئ نهم وليد اطلاع واسع بالتاريخ والحضارة والأديان، ولكنه لم يرتق إلى أن يكون مكراً ذا مشروع تأصيلي جديد أو صاحب فكر نسقي متكامل أو شبه متكامل، فمن يستعرض تاريخ الفكر الإنساني يشاهد بوضوح تطور الفكر بشكل متدرج على أيدي كبار الفلاسفة والمثقفين الذين لا يجترون كلام سابقيهم بل يعيدون تأصيله أو يكملوا عليه بقدم راسخة في المعرفة. ولكن للأسف، النيهوم لم يستكمل ذاك المشروع، وما أود قوله: إن اعتبار النيهوم هو المفكر الأول والأكبر في ليبيا من قبل بعض الطوائف الفكرية خطير جداً، فمناصروه ومعادوه لا يقرؤون ما كتب النيهوم بعين الناقد المحايد، بل عين ترى الجمال الإلهي وعين ترى النار الشيطانية، فقل أن وجد ناقد يتعاطى مع النيهوم كظاهرة تاريخية انقضت ولم تعد توجد، ويصدق القول بأن النيهوم الذي قدم خدمات جليلة بترجمته لسلسلة “بهجة المعرفة” واشتغاله على موسوعة “تاريخنا” هو مثقف وليس مفكراً، ويجب أن نخرج عن تقليد مدرسته، لأن كتبه يمكن أن تُقتبس في عبارات رنانة جميلة ولكن لا أن تكون قاعدة بحث علمي جاد.

عن الكاتب

تعليق واحد


  • مريم خليل

    طرح ممتاز و اكاديمي بحت…لا وجود للمجاملات في العلم ..وفقك الله اخي حسام



اضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.


يمكنك استخدام HTML وسوم واكواد : <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <s> <strike> <strong>

0

Your Cart