عصيدة المولد النبوي الشريف - مشروع إثراء

عادات تأصّلت في مجتمعنا الليبي قديمًا قد يراها البعض الآن سلوكيات غير مقبولة يجب التخلّص منها . لا زالت بعض العائلات الليبية تمارس بعضها إحياءً لتقاليد الآباء والأجداد . في مقدّمة هذه العادات القديمة التي اشتهرت بها العائلات الليبية (عصيدة المولد) .

حيث يجتمع أفراد الأسرة صباح الثاني عشر من ربيع الأول الذي يصادف مولد سيّد الكائنات نبيّنا محمد ابن عبد الله صلّى الله عليه وسلّم ، يجتمعون لتناول تلك الأكلة الشعبية (العصيدة) تصنع من الدقيق الأبيض الخالص . تُضاف إليه بعد استوائه كمّية من السّمن أو الزبدة حسب الرغبة مع قدر من العسل أو ربّ التمر . وجبة سريعة وسهلة الطهي تسدّ جوع الكبار بعد الصّغار ، لا تتعب ربّة البيت ولا تثقل كاهل ربّ الأسرة . إضافة إلى كونها أنّها سهلة الامتصاص ولا تتعب المعدة ويحبّذها الكثيرون في شهر رمضان المبارك وقت السحور ، الذي يجب الابتعاد فيه عن تناول الطبيخ الدّسم والدهون التي تربك المعدة في نهار رمضان .من عاداتنا القديمة أيضًا تناول الفول والحمّص مطبوخيْن في يوم عاشوراء ، وهناك مَن يضيف إليهما البيض المطبوخ مع خبزة التنّور التي تفنّنت في إعدادها الأمّهات والجدّات .

تأتي هذه العادة في إطار احتفالات العائلات الليبية في العقود الماضية بيوم له مدلوله الديني الخاص وهو يوم عاشوراء الذي تبادر جلّ تلك العائلات بصيامه إحياءً لسنّة رسولنا الكريم خاتم الأنبياء والمرسلين . وليس هناك خيط رفيع يربط بين طبخ الفول في يوم عاشور واعتقاد ديني كما يتوهّم كثير من شباب اليوم ، فطبخ الفول من قبل من سبقونا لا علاقة له بطقوس دينية لا من قريب ولا من بعيد كما يتوهم البعض، بقدر ما هو عادة اجتماعية توارثت عبر الأجيال ونقلها الكبار إلى الصّغار حتى وصلت إلينا . وما ينطبق على فول عاشوراء ينطبق بطبيعة الحال على عصيدة المولد النبوي الشريف ، كما ينطبق أيضًا على كثير من العادات الاجتماعية الأخرى التي انتشرت قديمًا مثل (الفتّاشة) التي تعمد فيها ربّات البيوت إلى إعداد وجبة الكسكسي مع (القدّيد) وبعض الأحشاء المجفّفة مع أجزاء من أرجل ذبيح الأضحى وبعض البيض المطبوخ ، وذلك في آخر يوم من شهر ذي الحجة الحرام .
كنّا ونحن صغار نتزاحم على قصعة العصيدة ، ونطلب المزيد من السّمن والرُبّ ونفرح بطبق الفول ونتمنّى أن يكون متّسِعًا لنسدّ جوعنا مع البيض المطبوخ وخبزة التنّور. كانت تلك الأكلات الشعبية البسيطة بمثابة الهامبوجر والكباب والبيتسة والطابونة وساندوتش المفروم ، أو أطباق مطعم أهلاً وسهلاً أو باب الشرق أو مطعم كودو، وغيرها من الوجبات العصرية التي لم يكن لها حضور في طفولتنا . كنّا نسعد بما يقدّمه لنا الأهل من أكلات محلية مائة في المائة ، وطنية صرفة لا أثر للمطبخ التركي أو الشرقي بعمومه فيها. ولا يوجد في ذلك الوقت من يعارض تقديم تلك الأكلات على الموائد في المناسبات الدينية كما هو حالنا اليوم .
عصيدة المولد وفول عاشوراء ولواوي الفتّاشة عاصرتها أثناء قوّة انتشارها، أثناء طفولتي وفي شبابي ولم يعترض عليها معترض ولم يتصدَّ لها ناقد ، فجلّ الناس حينها إن لم أقل كلّهم يمارسونها بأريحيّة تامة بعيدًا عن أيّة معتقدات دينية .

كانت تلك الأكلات البسيطة تنقلنا إلى عالم آخر نشعر فيه بنوع من التغيير في سلوكياتنا اليومية التي تتسّم بالرتابة والتشابه . ربّما أحد أسباب إصرار آبائنا وأجدادنا على نهج تلك السلوكيات في تناول أكلات معيّنة في بعض المناسبات الدينية هو العامل الاقتصادي الذي لا يسمح لهم في ذلك الزمن البعيد بالتوسّع في الإنفاق طيلة أيام السنة ، فينتهزون هذه المناسبات التي تتخلّلها فيغدقون على الأبناء والزوجات وبقيّة أفراد العائلة بهكذا أنواع من الأكلات الطيّبة كالعصيدة والبقوليات واللحوم المجفّفة فتدخل على متناوليها السرور ، إضافة إلى تغيير رتابة الحياة اليومية كما نوّهت آنفًا. فآباؤنا بسلوكياتهم العفوية تلك لم يخترقوا الدين الذي حرصوا على اتّباع تعاليمه ، ولم يبتدعوا جديدًا في سنّة نبيّهم الذي يصلّون عليه في كلّ طرفة عين . ولم يرتكبوا كبيرة بتناولهم العصيدة في يوم مولد سيّد الكائنات تعبيرًا عن فرحتهم بهذه المناسبة العظيمة . ولم ينكر عليهم تلامذة الإمام مالك وأتباعه شيئًا من ذلك .
أنا ما زلت أشارك عائلتي عصيدة المولد ، وأتسلّى بأكل الفول المطبوخ مع أصدقائي في يوم عاشوراء . وأعرّج على مطبخ والدتي وقت الضحى متى سنحت الفرصة لأتذوّق من يدها الكريمة قليلاً من (البريمة) التي تعبق بالشحم الغاوي ، أو صحنًا صغيرًا من الحساء الممزوج بالزعتر مع كوب شاي أحمر خفيف مخلوط بالأعشاب التي تضفي إلى مذاقه نكهة خاصّة ! أفعل ذلك بعيدًا عن أيّ معتقد ديني فأنا مسلم سنّي سلفي بالمفهوم النقي للسلفية ، وأنأى بنفسي عن أيّ جدل ديني عقيم .

عن الكاتب

تعليق واحد


  • دمتم

    واليوم ما أكثر من يؤولون ارتباط الأكلات بالبدع ويحكمون جازمين عليها بالضلالة، ويضيقون على الناس بل وصلت الدرجة عند بعض المتعصبين إلى تقسيم الناس فريقين والحكم عليهم فيقولون لنا السُّنة والعقيدة ولكم البدعة والعصيدة، وحسبنا الله ونعم الوكيل



اضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.


يمكنك استخدام HTML وسوم واكواد : <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <s> <strike> <strong>

0

Your Cart