التصغيرُ في اللهجةِ الليبيّة - مشروع إثراء

اهتماماً باللغويات بشكل عام وتأملاً في اللهجة الليبية بخاصة يمكن للباحث أن يقف عند عدة ظواهر لغوية مهمة ، بعضها يعمّ المنطقة والآخر يخص أماكن دون غيرها . وبنظرة جغرافية مستحضرة لنظرية التأثر والتأثير والاقتراض اللغوي نجدُ اللهجة الليبية في المنطقة الشرقية تبدأ بوتيرة تشبه اللهجة المصرية، ثم تعتدلُ في الوسط ، لتصير في الغرب أكثر شبها باللهجة المغاربية وأكثر ليونة ( لينٌ على المستوى اللفظي والمعنوي برأيي)، وما لاحظته كوني متحدثة بلهجة الوسط ، ومستمعة بشكل شبه يومي للهجتين الغربية والشرقية ، هو شغفُ الليبيين بتغيير بنى الكلمات وتصغيرها ، لأسباب مختلفة .

والتصغير قاعدة مدروسة في اللغة العربية وغيرها من اللغات ولها قوانينها وأوزانها ، وتُعرّف على أنها تغيير يطرأ على الاسم المعرب للدلالة على صغر حجمه أو تحقير شأنه أو تقليل عدده أو تقريب زمانه أو تقريب مكانه ، أو تمليحه وتدليله وقد يأتي للتعظيم في حالات قليلة ، لأن في اقتران التصغير بالتعظيم خلاف بين المدرستين الكوفية والبصرية ، فالأخيرة تنكر مجيء التصغير لغرض التعظيم لأنهما متنافيان ، ولعله ليس ممتنعًا ، ولكنه لم يكثر في كلام العرب ، ولذا فلا قاعدة للقليل . لكنه إن جاء في مقامٍ يقتضيه ، فلعله مقبول ، وهذا هو رأي المدرسة الكوفية .

ويأتي التصغير بثلاث صيغ أساسية هي : فُعَيل “للثلاثي” ، و فُعَيعِل و فُعَيعِيل “لغير الثلاثي” وبفطرةٍ لغوية ربما ، نجد اللهجة الليبية تتماهى مع القواعد النحوية على الوجه السليم ، رغم عدم دراية أكثر متحدثيها بذلك التعقيد اللغوي المنضبط . فنجدهم لا يصغرون الأفعال ولا الحروف ، كما يتحاشون تصغير ما حقه التعظيم كأسماء الله الحسنى والملائكة والأنبياء عليهم السلام ، وهذا كله من الصواب السليم ، فلا يكون التصغير إلا للأسماء المعربة ، ولا يصغر ما حقه التعظيم ، أو ما هو مصغر أصلاً . لكن الليبيين يتعَدون الألفاظ العربية إلى ما سواها ، ويطبقون قواعدها على كثير من كلمات اللغات الأخرى كالأمازيغية وبقايا الإيطالية والتركية وبعض الكلمات الأندلسية .

ما جاء على وزن فعيل :

شجرة – شجيرة ، باب – بويب ، دار – دُويرَة ، يد – يديّه ، صفحة – صفيحة ، شاعر – شويعر، وردة – وريدة ، ولد – وليد ، بنت – بنيّة ، أخت – أخيّة ، كلمة – كلِيمة ، لعبة – لعيبة ، خدمة – خديمة ، حبة – حبيبة ، حوش – حُوِيش ، فلوس – فليسات ، لقمة – لقيمة .

ما جاء على وزن فعيعل :

كتاب – كتيّب ، ملعب – مليعب ، مكنسة – مكينسة ، سرير- سريّر ، قرطاس – قريطس “قريطيس” ، عجوز – عجيّز “عزيّز” ، سالم – سويلم ، كراع – كريّع ، خاتم – خويتم ، ، كاغط – كويغط ، قطوسة – قطيطيسة ( قطة) .

ما جاء على وزن فعيعيل :

عصفور– عصيفير ، مفتاح – مفيتيح ، مصباح – مصيبيح ، دينار – دنينير ، جلباب – جليبيب ، ثلاجة – ثليليجة ، مسكين – مسيكين ، عطشان – عطيشان ، قوراج – قويريج ( كَراج ) ، شخشير – شخيشير (جورب) ، كاشيك- كوشيك (ملعقة) ، صونيّة – صوينيّة (صحن) ، كندرة – كنيدرة (حذاء) ، كرهبة – كريهبة (سيارة) .

وغيرها كثير ، مع وجود أمثلة لا تتماشى مع القاعدة مثل قولنا : أصبع – صويبع والأصح أن نقول أصيبع ، و عين – عوينة والصحيح عُيينة وغير ذلك . كما نلحظ غياب التصغيرات التي تهدف للتقريب والتعظيم ، فيما يغلب على المذكور التحبب أو التقليل والتصغير .

ولعله يصعب على غير الليبي أن يفهم المراد من التصغير أحيانا ، فقد تختلف العِلة حسب سياق الحديث وأصحابه . فنسمع مثلاً كلمة “ بنيّة / ولِيد” للتحبب في مواضع ، وللتصغير أو التسفيه في مواضع أخرى . وفي مثال آخر : قد تأتي كلمة “لعيبة” في سياق ما لغرض التصغير والتسفيه ، لتكون في سياق آخر بمعنى معاكس تماما ، وهو التعظيم ، كقولهم : “يبيها لعبة ، جاته لعيبه ” .

وبشكل عام ، فإن أكثر من يميل لاستخدام هذه الألفاظ الآن هم كبار السن فنسمع كلمات مثل : (فريدة خبزة) و (شويشة ميه) و (عنيقيد عنب) و (حبيبات حمص) ، فيما يقل هذا الاستخدام في الأجيال المتأخرة لاسيما عند الشباب ، فاللهجة أقرب إلى لغة المسنين الكبار ، ولعله يستخدم ولكن بصورة مختلفة ولأغراض أخرى . فنسمع مثلا قولهم لغائب أو متأخر ( فاتك ابريريد شاهي \ أو طويسة قهوة ) ولأسلوب كهذا وقع أشد على الشهيّة من قولهم ( برّاد) أو ( طاسة ) ، كما أن أغراضه ليست التحبب إلى براد الشاي فقط بل وإغاظة المتأخر!

ندرك جميعا أن اللغات أوسع من أن تُدرك ، و لأن اللهجات تكاد تكون لغات بحيالها ، وجب على المهتمين النظر بعين الاهتمام والنقد إليها والتمحيص فيها ، فللعربية لهجات كثيرة لا تخضع للقواعد النحوية ولا الصرفية ، ومن كلماتها وطريقة كتابتها مالا يحمله معجم ولا قاموس ، ورغم ذلك فإن اللمسة العربية لا تزال بادية ولو على استحياء ، ولأن اللهجة الليبية تمثل حلقة الوصل بين لهجات الشرق العربية السهلة المنفتحة ، ولهجات المغرب العربي المنغلقة الحادّة ( حيث يبدو التسهيل في لغة الشرق بينما يظهر في الغرب النبر واهتمامهم بتحقيق مخارج الحروف ) فإن ذلك كله يجعلها جديرةً بالدراسة ونقطة وصول للكثير من التساؤلات والتأملات .

عن الكاتب

خريجة قسم اللغة الانجليزية - جامعة مصراته

تعليقان



اضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.


يمكنك استخدام HTML وسوم واكواد : <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <s> <strike> <strong>

0

Your Cart