من ذاكرة الترحال (1): المحراب الأسير - مشروع إثراء

الأندلس.. كلمة لها وقع عجيب في القلب.. ما ان تلامس الأسماع حتى تنتشي النفس بعبق التاريخ وتزهو بأمجاد الفاتحين، وترحل بك المخيلة إلى قرون من الحضارة ورغد العيش وازدهار العلوم وريادة العالم.. لكنها نشوة ما يلبث أن يغشاها حزن عميق يرخي سُدُوله إذا ما تراءى لك مشهد سقوط تلك الحضارة ومحاكم التفتيش وما تلاها من محن وفتن وصولا إلى واقع الأمة الأليم.

لا غرو إذاً، والحال تلك، أن يتوق المرء إلى زيارة تلك الآثار والتبختر بخيلاء في تلك الربوع.. وقد لاحت لي الفرصة منتصف ربيع  2010 م، فحملت متاعي وانطلقت براً من مدينة بواتييه الفرنسية، التي شهدت آخر معارك الفتح الاسلامي لأوربا (معركة بلاط الشهداء)، لألتحق بصديق عزيز في مدينة سانت الفرنسية وننطلق معاً نحو الأندلس مع تباشير الصباح الأولى.. وجهتنا قرطبة.

بأربع فاقتْ الأمصارَ قرطبةُ      وهُنَّ قنطرةً الوادي وجامعُهَا

هاتان اثنتان  والزهراءُ ثالثةٌ      والعلمُ أكبر شئ وهو رابعُهَا

قرطبة، التي يعد جامعها مفخرة القرون .. ويسوقه الغرب مثالاً لتسامحه الديني، حيث الكنيسة في قلب المسجد يتعايشان معاً؟! هكذا يقولون !! لطالما سمعت ذلك من غير واحد، بل إن صديقاً أخبرني أن فرنسياً ممن كان يحاورهم أكد له زيارته للمكان ورأى بأم عينيه ذاك التعايش والتعانق بين الديانتين !! وما كان ذلك ليحدث في دولة مسلمة، كما قال ـ مدللا بذلك على تسامح الغرب وقبوله للآخر!! ولكم دُهشتُ لذلك، وأنا أتخيل الآذان يرفع من برج تقرع فيه النواقيس وجموع المسلمين تصطف للصلاة في خشوع من حول جوقة الترتيل وترانيم النصارى!!!

لقد كان ذلك اليوم من شهر مايو ماطراً، والغمام يعمم جبال البيرينيه الحدودية بشكل بديع.. مروج خضراء .. أنفاق جبلية .. وجسور معلقة.. كل ما حولك يشدك إليه وكأنك في حلم بهيج، ولكن ما كان ذلك البهاء ليثنينا عن التعجل بغية الوصول إلى المسجد – الكاتدرائية الأعجوبة.

image002 image003 image004

image005 image006 image007

الطريق إلى قرطبة

دخلنا قرطبة مع الغروب وطفقنا نبحث عن الفندق الذي سنمضي فيه ليلتنا، وكنا قد كتبنا عنوانه في قصاصة ما إن دفعناها إلى إحدى المارة حتى صاحت: آه الرصافة، إنه في شارع الرصافة…  يا الله ..  الرُصافة بلسان عربي مبين هنا في أسبانيا .. للحظة نسيت كل ما حولي ورحلت بعيدا عبر التاريخ.. الرصافة .. ذاك القصر الذي أسسه صقر قريش خارج المدينة للراحة والفسحة وسمّاه الرُّصافة تخليداً لرُصافة الشام التي بناها جده الخليفة هشام .. وها هو الاسم يطلق من جديد على هذا الشارع الأنيق المرصوف بالحجارة وتحفه الأشجار بخيلاء.

عندما وصلنا الفندق قلت لرفيقي مازحاً: ها نحن قد وجدنا الرُّصافة وما علينا إلا أن نبحث عن الجسر [1]، فابتسم ابتسامة شاحبة ملؤها تعب الطريق ورد باقتضاب : وما يضيرنا أن لا نجد الجسر ما دمنا قد وجدنا عيون المها !

image008 image009 image010

image011 image012 image013

image014 image015 image016

من ميادين وأزقة قرطبة

في صباح اليوم التالي، انطلقنا نحو المركز التاريخي للمدينة.. دخلنا من باب اشبيلية .. قطعنا الطرقات والأزقة نمتع الأبصار بالطراز الأندلسي الرفيع للدور عن اليمين والشمائل، بجدرانها البيضاء وأصص الورود المدلاّة من الشرفات والنوافذ. لقد كان يوماً ربيعياً بحق.. الهواء منعش والبهجة تملأ النفوس وتسعى بنا الأقدام إلى حيث تهوى القلوب. نُنقّل الأنظار بين الخارطة السياحية وعناوين الدروب. تشرئب الأعناق عند كل ثنية ومنعطف عسى أن تكتحل العيون بمرأى المسجد العتيق. وينحدر بنا زقاق نحو ضفاف الوادي الكبير لنجد أنفسنا وسط ميدان يغص بالسائحين وعربات تجرها خيول ورجال الأمن وعمال ترميم و… وعلى الطرف المقابل يبرز معلم بسقف قرميدي وقد انفصل عن محيطه وتقف جدرانه الشاهقة كالحصن المنيع .. إنه بلا ريب جامع قرطبة الكبير. فها نحن نصل إلى حيث نريد.. ووقفنا نتأمل ذاك الصرح العتيد.. ولسان حالنا يردد قول مجنون ليلى مخاطباً جبل التوباد:

فأجهشتُ للتّوْبَادِ حينَ رأيتُه       وكبَّرَ للرَّحْمنِ حينَ رآني

وأذريت دَمْعَ العينِ لما عرفتُه        ونادى بأعلَى صوتِه فدَعانِي

image017

السور الغربي للجامع  ويبدو كالحصن المنيع

****

جامع قرطبة الأموي أسسه صقر قريش منذ اثني عشر قرناً تقريباً وأمضى الأمراء الأمويون في بنائه أكثر من قرنين. وها هو، بعد أكثر من سبعة قرون على سقوط قرطبة في أيدي الأسبان، لا يزال محافظاً على عظمة بنيانه وجمال زخارفه.

صَنْعَةُ (الدّاخل) المبَارك في الغَر      بِ وآلٍ له ميامينَ شُمْسِ [2]

يمتد الجامع فوق منحدر ويكون مستطيلاً عرضه مائة وثلاثون متراً وطوله مائة وثمانون متراً. ويبدو الجامع داخل أسوار مرتفعة تعلوها الشرفات بينما تبرز في وسطه جدران الكنيسة العالية. وترتفع في الركن الشمالي الغربي المئذنة التي حولت إلى برج تدق من أعلاه النواقيس.

image018

مئذنة مسجد قرطبة كما تبدو من شرفات أحد القصور المحيطة

يروى أنه عند سيطرة الأمير عبد الرحمن الداخل على قرطبة، فكر في توسعة المسجد على حساب الكنيسة. وفاوض في ذلك الأمر أعاظم النصارى فقبلوا على شرط أن يسمح لهم ببناء كنيستهم التي ستهدم بخارج المدينة. وبموجب الاتفاق الذي تم سنة 186هـ/785م تحصل المسيحيون على غرامة مالية قدرها مائة ألف دينار. وكانت تكاليف البناء ثمانين ألف دينار. وكانت هذه المرحلة الرئيسية الأولى في بناء الجامع تلتها ثلاث مراحل رئيسية أخرى في عهد كل من: عبد الرحمن الثاني والحكم الثاني والأخيرة في عهد الحاجب المنصور.

المحراب الأسير_إثراء-7

   مخطط مسجد قرطبة بمراحله المختلفة والمعالم النصرانية داخله

وفي اليوم التاسع والعشرين من الشهر السادس سنة 1236م سقطت قرطبة في أيدي الأسبان بعد حصار دام ستة أشهر. فتحول الجامع إلى كاتدرائية واحتوى على عدد متزايد من المعابد والأنصاب. وفي أواخر القرن الخامس عشر أنشئ داخل بيت الصلاة معبد ضخم على النمط القوطي. وفي عام 1521م شرع القسيسون في بناء كنيسة جديدة داخل بيت الصلاة دامت الأشغال فيها نحو ثلاثة قرون. وبالرغم من ضخامة بنيانها وأهميتها للمسيحيين كونها أم للكنائس الأخرى وتحتوي على كرسي الأسقف، فإنها لم تبلغ مساحة بيت الصلاة. وعندما زارها الإمبراطور شارك الخامس وكانت الأشغال في بدايتها استاء مما رآه من تهديم للصرح الإسلامي وندم على الرخصة التي منحها لرجال الكنيسة وقال للقسيسين الذين أشرفوا على بنائها: ” إن ما أنجزتم هنا نجده في كل مكان وما هدمتموه ليس له نظير في العالم” [3].

image020

أحد أبواب الخليفة الحكم الثاني في الواجهة الغربية بعد الترميم

****

بعد أن اشترينا تذاكر الدخول عبرنا صحن البرتقال وهو ساحة فسيحة تحيط بها الأروقة من الجهات الأربعة وقد تم استبدال أشجار النخيل الأصلية بأشجار البرتقال من قبل الأسبان في القرن الخامس عشر فصار يعرف بهذا الاسم. وقفنا في طابور الانتظار بعض الوقت قبل أن يسمح لنا بالدخول من باب النخيل المفضي إلى بيت الصلاة. وعند الباب يطلب فاحص التذاكر من الداخلين خلع قبعاتهم احتراماً للمكان .. نظر إليّ صديقي في استغراب ولسان حاله يقول: عجباً.. غطاء الرأس لدينا من تمام الزينة لدخول المسجد، أليس من الأولى خلع الأحذية؟! .. خمنت ما يدور في خلده فابتسمت وقلت له: ” كل ناس وعزاهم ” [4].

تقدمنا خطوات قليلة ووقفنا نتأمل في إجلال ذلك الصرح المهيب. غابة لا متناهية من الأعمدة الرخامية تعلوها أقواس متراكبة تتناوب فيها ألواح الآجر مع الحجارة في معمار بديع يلفه نور خافت لا تكاد تتبين معه حدود المكان.

image021

أقواس متراكبة تعلو الأعمدة الرخامية وسط نور خافت يتسلل إلى أرجاء المكان

كانت أفواج السواح الداخلة تختفي في جنباته حتى لا تكاد تشعر بهم لطبيعة المكان واتساعه. فجأةً بدأت الأجراس تقرع من أعلى البرج الذي يحتوي على بقايا المئذنة الأموية في حين لفت انتباهنا خلو المكان من البُسط أو على الأقل في المدى المنظور أمامنا. وقبل أن نخمن سبب ذلك أو نتحرك من وقفتنا تلك تقدم إلينا أحد مسئولي المكان لينبهنا إن كنا مسلمين فالصلاة ممنوعة هنا !! قال رفيقي : وأين المكان المخصص لذلك؟ “لا يوجد أي مكان مخصص هنا، ولا يسمح بالصلاة للمسلمين في أي بقعة من هذا المكان !! ” أجاب صاحبنا. الحقيقة، أننا توقعنا من الوهلة الأولى أن يكون الجامع مهجوراً من الشعائر الإسلامية وخصوصاً ونحن نرى جموع الزوار بملابسهم غير المحتشمة وطلبة المدارس والمراهقين بسلوكياتهم المشينة، ناهيك عن قرع الأجراس والترانيم الموسيقية التي تصدح في المكان. لكن آخر ما كنا نتصوره في ظل ما يدَّعونه من حرية دينية، أن يتم تنبيه الداخل مسبقاً بمنع الشعائر الإسلامية! بل لربما تبعك أحدهم عن بعد ليمنعك في الوقت المناسب من المساس.. بالحرية الدينية!!  فالحرية الدينية مكفولة للجميع.. للجميع تقريباً شرط أن لا تكون مسلماً !!  بخن للحرية الدينية !!

انطلقنا نتجول بين صفوف الأعمدة ولقد أثار هذا الأمر استيائنا وعكر صفونا، فما عدنا نلتفت إلى الفرق بين المراحل التاريخية المختلفة. مررنا بمسجد عبد الرحمن الداخل ثم زيادة عبد الرحمن الثاني وعندما انعطفنا يساراً في طريقنا إلى مسجد المنصور اعترضت طريقنا الكاتدرائية التي رغم ضخامتها لا تكاد تشعر بوجودها ببيت الصلاة إلا عندما تقترب منها تماماً. وإن كانت هذه الكاتدرائية هي أبرز المعالم الدينية الأسبانية، إلا أن بالمكان العديد من الكنائس والمتاحف والمعالم المسيحية الأخرى.

image022

الكاتدرائية التي بدأ تشييدها شارل الخامس داخل الجامع

في إحدى الزوايا وضع لوح حجري جُلب من مدينة الزهراء وكان مما نقش عليه الآية الكريمة “شَهِدَ اللهُ أنَّهُ لا إلهَ إلا هُوَ والمَلائكةُ وأولُواْ العِلمُ قَآئماً بِالقِسْطِ لا إلهَ إلا هُوَ العزيزُ الحكيمُ” [5]. فقلت في نفسي: سبحان الذي ألهمهم جلب هذا اللوح من الزهراء ليشهد بوحدانية العزيز الحكيم في هذا الموضع الذي يرزح تحت نير الشرك وأهله، وليُذَّكِر بأن الدين عند الله الإسلام. ثم جاء فيه: “ما شاء الله كان  ولا حول ولا قوة إلا بالله …..” فما وجدنا عزاء لنا أفضل من ذلك. والحقيقة أن المتأمل في هذه الحضارة العظيمة وحضارة الغرب اليوم، يجد فرقاً جوهرياً بيّناً. ذلك أن الغرب عندما تربع على عرش الحضارة نسب نجاحه لنفسه وأنكر الدين ومال إلى الإلحاد (بل وأنكر فضل الحضارة الإسلامية عليه إلا القليل منهم). أما أولئك العظام فتجدهم وهم في قمة مجدهم وترفهم، يستشعرون فضل الله وتوفيقه وينسبون ذلك إليه. بل وكأني بهم يترقبون أفول حضارتهم وهم في أوج ازدهارها .. ربما ليقينهم أن الدنيا إلى زوال وأن (لكل أمر إذا ما تم نقصان) وربما لإدراكهم مدى تفريطهم في أسباب المنعة والبقاء. تلمس ذلك في نقوشهم مما يضفي على أطلالهم مسحة حزن تتسلل إلى النفس فتجد مرارتها في قلبك.

image001

المحراب الأسير

          عندما بلغنا إضافة الحكم واقتربنا من المحراب نبهنا أحد الزوار، وكان من البحرين، إلى الرقابة الشديدة في هذا الجزء من المسجد بل أن أحدهم كان يتبعه عن بعد مذ دخل. فكنا كلما اقتربنا من المحراب اقترب منا الرقيب.. ليمنع كل مسلم عنيد من الصلاة في ذلك الموضع من جديد. ولكن أنّى لك أن تصل المحراب وهو أسير سياج من حديد يصدك قبل بضعة أمتار فلا تزيد. وقفتُ عند القضبان أناجي المحراب الأسير: كفكف دمعك أيها المحراب فلازلت لدينا عزيز مهاب.. رفع رأسه ونظر إلي!! أعرب أنتم؟ قلت: نعم .. قال: أفاتحين؟  قلت: بل زائرين؟ قال: أما فيكم عبد الرحمن أو منصور تنقلون له خبري فيعمل على فك أسري؟ طأطأتُ رأسي خجلا .. آه لو تعلم ما أكثر الأسرى في بلاد المسلمين .. منهم من قتل غيلة، ومنهم من يعذب بغير وسيلة. وأعراض المسلمات استبيحت من كل جلف وعلج وصرخات الثكالى تقطع نياط القلب ولا معتصم يجيب .. قال مبهوتاً: والخليفة؟ قلت: لا شيء يضاهيه علوا حتى الآن [6]! قال: إنما قصدت الحاكم.. قلت: قد أضحوا حكاماً قال: فما فعلوا؟ قلت: أرسلوا أولادهم إلى نساء الغرب ليثأروا لنساء المسلمين !! قال: وهل فعلوا؟ قلت: ما فتئوا يفعلون! قال: مرحى.. لابد أن يأتوا للدفاع عن تاريخهم .. قلت: هم أعجز من أن يدافعوا عن حاضرهم .. فصمت طويلا ثم قال: من يعجز عن الدفاع عن حاضره فهو في دفاعه عن تاريخه أعجز! وعاد يجهش بالبكاء. وهنا خلت الرقيب يصيح : انتهت الزيارة!

image023

جانب من صحن البرتقال وبقايا المئذنة الأموية التي تحولت إلى برج للكنيسة

****

اقترب مني سائح اسكتلندي، يدرس العلوم السياسية ويتكلم العربية بلكنة أعجمية، وقال: ” أنظروا إنه حقاً شيء عجيب لن تجده في أي مكان آخر .. مسجد وكنيسة في مكان واحد” . قلت: صدقت، إنه شيء عجيب.. المحراب أسير القضبان ومسجد بلا صلاة ولا آذان .. وعلى مقاعد الكنيسة ترانيم وألحان .. والسيد المسيح مصلوب للعيان. والأعجب من ذلك أن يعد ذلك مثالا للتعايش الديني!! يا صديقي ما تراه هنا مجمع للكنائس لا غير، أما المسجد فلم يبق منه إلا ما يكفي للتشفي وجباية ما ينفقه ملايين السائحين.

ويا ليت الأمر توقف عند هذا الحد، بل إنهم يغمطوننا حتى حق الفخر بأمجادٍ خلت .. ففي مطوية وزعت بلغات عدة بعنوان ” كاتيدرائية قرطبة شاهد حي على تاريخنا“، تلمس عبارات التعصب والزور ونسبة كل ما يفتخر به إلى المسيحية وأهلها.. أما المسلمون فحسبهم هدم الكنائس و”الاضطهادات الشديدة للشعب المسيحي“، حيث جاء تحت عنوان “التدخل الإسلامي” ما نصه: “بعد الاحتلال الإسلامي لقرطبة شرع المسيطرون المسلمون في هدم كنيسة القديس فنسنت …. وبدأوا ببناء المسجد…“. أما الطراز المعماري للمسجد فإن “التأثير القوي للفن الأسباني ـ الروماني يظهر جلياً في البناء، ليس في المواد المستغلة المأخوذة من كنيسة فنسيت المدمرة فحسب …” بل وتصميم الصحون والأقواس المتداخلة وألوانها “يعود تصميمها إلى الطراز الاسباني -الروماني” !!! بل إن هذه التحفة الفريدة مدينة “بالأخص لوجود الفنانين والبنائين البيزنطيين المبعوثين من قبل الإمبراطور المسيحي نيسيفورو فوكاس الذي أهدى أيضا تلك الفسيفساء الرائعة التي استعملت في بناء المحراب“[7] .. إذاً لا مجال لأي فخر.. فالتصميم أسباني-روماني والتنفيذ بيزنطي ومواد البناء من أنقاض الكنيسة المهدمة والفسيفساء هدية من الإمبراطور المسيحي.. تهانينا !!!

قال رفيقي بأسى: إن كان الفضل يعود لهم في بناء هذه الحضارة فلماذا لم يبنوها قبل مجيء المسلمين أو بعد رحيلهم؟؟ ولماذا لم يبنها السيد فوكاس في بيزنطا؟ قلت: هون عليك يا أخي، فحضارة الأندلس، وإن كانت نتاج التلاقح الثقافي لشعوب الشرق والغرب، فهي حضارة عربية اللسان، إسلامية العقيدة والإدارة، وما كان لها أن تزدهر لولا تسامح الإسلام الذي أباح حرية المعتقد والفكر.. شاء من شاء وأبى من أبى.. وستظل محاكم التفتيش وصمة عار في جبين من يدعون التعايش الديني.

على الأعتاب، وقفنا نلقي النظرة الأخيرة قبل أن نغادر .. إيه أيها الصرح العظيم.. كم حلقة علم عقدت في رحابك وكم عالم فذ جلس تحت قبابك.. أين ابن حزم وابن رشد وغيرهم من الأعلام.. رحلوا جميعاً وبقي ذكرهم، والذكر بعد الموت عمر ثان، وبقيت أنت شاهد عدل يرد زور كل مدلس وجاحد.

****

خرجت من الجامع لا ألوي على شيء .. يضيق صدري ولا ينطلق لساني.. لم أعد أتبين ما حولي.. عربات.. درك.. راجلون.. رطانة بلغات شتى..  لا أدري.. خُيل إليّ أن كل ما حولي أسير وأكاد أسمع نواح الدور والقصور وقناطر العبور وأنني أسبح في بحر من دموع.

رفرف القلب بجنبي كالذبيح                  وأنا أهتف يا قلب اتئد

فيجيب الدمعُ والماضي الجريح          لِمَ عُدْنا؟ ليت أنَّا لم نَعُد![8]

بخطى متثاقلة انحدرت نحو الوادي الكبير حيث القنطرة العربية العظيمة (التي بنيت أيام الخليفة عمر بن عبد العزيز وأعيد بناؤها في إمارة هشام بن عبد الرحمن الداخل..). عبرت القنطرة نصفها أو يزيد ووقفت ساعة أبكي حضارة بكاها من قبل أبو عبد الله الصغير كالنساء عندما لم يستطع أن يحافظ عليها كالرجال [9]..

فَلَمْ أَزَلْ أَبْكي وأُبْكي بها              هيهات يُغني الدمعُ هَيهَاتَا

كَأَنَّمَا آثَارُ مَنْ قَدْ مَضَى         نَوَادبُ يَنْدُبْنَ أمْوَاتَـــــــا [10]

image024

يكاد القلب من كمد يذوب والدمع من مقلتيَّ يسح سح غروب.. وعندما مالت الشمس نحو الغروب .. وليت وجهي شطر الشرق .. سأنتظر، عسى أن تشرق الشمس من جديد.

****

[1] إشارة إلى رصافة بغداد في البيت الشهير لعلى بن الجهم : عُيونُ المَها بَينَ الرُصافَةِ وَالجِسرِ.. جَلَبنَ الهَوى مِن حَيثُ أَدري وَلا أَدري.
[2] أحمد شوقي في وصف جامع قرطبة.
[3] بتصرف عن “مسجد قرطبة وقصر الحمراء ” للدكتور عبدالعزيز الدولاتلي، دار الجنوب للنشر، تونس ، 1977.
[4] مثل ليبي.
[5] آل عمران ، الآية 18 وبداية الأية التالية:” إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللهِ الإسْلامُ….”.
[6] إشارة إلى برج الخليفة  في دبي.
[7] من المطبوعات التي توزع على عين المكان.
[8] لإبراهيم ناجي وقد عاد إلى الدار التي أحبها فوجدها خاوية.
[9] إشارة إلى العبارة الشهيرة التي قالتها أم عبد الله الصغير لابنها آخر ملوك غرناطة.
[10] للشاعر السُمَيْسِر يبكي مدينة الزهراء بقرطبة.

عن الكاتب

مصطفى العائب

عضو هيئة تدريس بكلية الهندسة - جامعة مصراتة

تعليقان



اضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.


يمكنك استخدام HTML وسوم واكواد : <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <s> <strike> <strong>

0

Your Cart