شجون الخبز و الثقافة - مشروع إثراء

عندما بدأت الأزمة الاقتصادية تعصف بدول الغرب خلال السنوات القليلة الماضية، وارتفعت الأسعار  بعض الشيء، حبس الناس في تلك الدول أنفاسهم، وطفقت الحكومات تصرف المساعدات الاجتماعية وتخفض الضرائب تحت وطأة إعلام يلطم الخدود ويشق الجيوب ويهول المصاب ولا ينفك الحديث عن انخفاض القدرة الشرائية للمواطن، في حين وقف كُثر من الجالية العربية مستغرباً من هذه الهستيريا التي انتابت القوم، فالأسعار  وإن زادت بضع “سنتيمات “، مازال رغد العيش لا يقارن بما عليه حال المواطن في البلاد العربية من ضنك وتقتير! ..  في تلك الأثناء وفي إحدى القرى الفرنسية كنت أصطحب ابني إلى موقف الحافلة المدرسية كل صباح، وهناك كنت ألتقي سيدة فرنسية تصطحب ابنها إلى ذات الموقف، فكنا نتجاذب أطراف الحديث في انتظار الحافلة، وبطبيعة الحال كثيراً ما يكون الحديث عن الأزمة الاقتصادية. قالت لي مرة وقد بدا عليها التأثر: ” إنها ، حقيقة، كارثة ستحل بالثقافة الفرنسية، فإذا طالت هذه المحنة لن يكون بمقدور الكثيرين اقتناء الكتب والمجلات أو الذهاب إلى المسرح ودور السينما !!؟ ” وقفت مشدوها أتأمل قولها وأسقطه على واقعنا العربي المرير!  وأعجب لاهتمامها بالشأن الثقافي -وهي من عامة الناس -وتغتم لأمر لا يلتفت إليه حتى النخب المثقفة في بلداننا وهم ” أولى الناس بالدمع مقلة”..  ولكن ..

لقد مر المواطن العربي بعامة والليبي على وجه الخصوص خلال العقود الماضية بحقبة من التجهيل وضيق ذات اليد فلم يعد يشغله سوى لقمة العيش، يكد الليل والنهار من أجل الكفاف وحسبه أن لا يسأل الناس إلحافاً، ونتج عن ذلك تدهور المستوى الثقافي بشكل مريع، حيث نَدَرَ من تكون القراءة ضمن برنامجه اليومي  فضلا عن الكتابة!  وقد ساهم في هذه الحالة المتردية ما يشهده قطاع التعليم من تدهور وقصور فلم يكن من أولوياته بل ولا من مهامه زرع حب القراءة في نفوس التلاميذ كوسيلة للتعلم ورفع المستوى الثقافي للمجتمع، وانخفض مستوى التحصيل العلمي رغم ما يُنفق  في المجال وما يستورد من مناهج متطورة!  ومن مظاهر هذه الحالة المأسوية للثقافة في بلادنا، تحول المكتبات المنزلية – إن وجدت – إلى ديكور، واختفاء المراكز الثقافية والمكتبات العامة من مدننا دون أن يلحظ ذلك إلا القليل  ولا من صوت يرتفع للمطالبة بها، في حين لا تكاد توجد مدينة ولا قرية في الغرب إلا وتكون المكتبة العامة من أهم مرافقها.  لقد شخصت كلمات تلك السيدة خطورة المنحدر التي نهبط فيه بغير اكتراث لأكثر من أربعة عقود ” والدجى من (فوقنا) حجر “!

إن المتأمل لما يُكتب في الغرب كماً وكيفاً، يجد الشيء العجاب. الكل يكتب وفي سن مبكرة، فهذا يكتب رواية وذاك يبين وجهة نظر وثالث يؤلف كتاباً علمياً وآخر يوثق مذكراته أو يشرح خبرته أو يصف رحلاته أو يدافع عن وجهة نظر أو يكتب عن أحد المشاهير …. وهلم جرا، فينتج عن ذلك من التنوع المعرفي في كل مجال وفن مالا يتصوره الواحد منا. وما يُكتب يتلقفه قراءٌ نهمون، كلٌ يقرأ حسب مستواه وثقافته واهتماماته فلا يبقى غث ولاسمين إلا وافق هوى قارئ من القراء. وعلى الضفة الأخرى، تقف العربية بعظمتها وجمالها وروعتها تشكو هجر أبنائها من الكتاب والقراء على حد سواء، فلا تكاد تجد إلا القليل من الساسة والمثقفين من يوّثق مذكراته، ومن كتب من العلماء كتب بغير لغته العربية. والشباب لا يجرؤ -إلا ما نذر- على الكتابة، وإن فعل لم يجد من ينشر له، وما يُنشر لا يقرأه أحيانا إلا كاتبه! إنها أزمة حقيقية تمر بها الثقافة العربية وأهلها وتتهددها بالخروج من مضمار السباق الشرس في ظل عولمة لا ترحم تكتسح الأخضر واليابس.

واليوم ونحن نقف على أعتاب عهد جديد، تشرئب أعناقنا إلى مستقبل مشرق ونتطلع إلى دولة يكون المواطن في جوهر اهتماماتها، تبنيه كما يبنيها، وتسكنه كما يسكنها، فما أحوجنا إلى بناء جيل جديد يقرأ أكثر مما يكتب و يكتب أكثر مما يأكل، يتفاعل مع الثقافات الأخرى في غير ذوبان ولا فقدان للهوية، يترجم منها وإليها، ولا يستعص عليه شيء إلا ذلله..

وفي انتظار أن يشتد عود هذه الدولة التي نأمل، وتضطلع  بمهامها، ألا يتوجب علينا الآن النهوض بمؤسسات المجتمع المدني الثقافية والتربوية؟ على غرار الجمعيات الخيرية الإغاثية  (فليس بالخبز وحده يحيا الإنسان) والقيام بالدور الذي حرمنا والبلاد منه سنين.. فهل نحن فاعلون؟

تنويه: تم نشر المقالة بصحيفة المنبر الصادرة ن جامعة مصراتة بتاريخ 15/10/2011

عن الكاتب

مصطفى العائب

عضو هيئة تدريس بكلية الهندسة – جامعة مصراتة


اضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.


يمكنك استخدام HTML وسوم واكواد : <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <s> <strike> <strong>