قراءة في كتاب لو أبصرت ثلاثة أيام - مشروع إثراء

هيلين كيلر (المعجزة) التي وقفت في وجه العمى والصمم اللتان فقدتهما إثر مرض الحمى القرمزية في سن التسعة عشر شهراً، تعلمت على يد معلمتها (ستيفان) التي قالت عنها كيلر في كتابها أنها فتحت لها عالمها الجديد، ستيفان قدمت إلى منزل العائلة لتعليم هيلين عندما كانت بعمر السابعة، وعلمتها القراءة والكتابة بطريقة برايل، ثم بقلم الرصاص، وهكذا فُتحت لها أول أبواب العلم والثقافة والنور.

كانت هيلين أول كفيف يتحصل على شهادة ليسانس، وذلك كان عام 1904 ميلادية، حيث بدأت دراستها الجامعية في سن الثامنة عشر عاما (عام 1900 ميلادية) في كلية رادكليف.

كتبت هيلين أول كتاب لها بعنوان (قصة حياتي) ولاقى رواجاً وإقبالاً كبيرين، وتُرجم إلى ما يقارب من خمسين لغة.

أما عن كتابها (لو أبصرت ثلاثة أيام) موضوع المراجعة الآن، فإنها كتبته عندما زارتها صديقة لها كانت في رحلة للبراري، فسألتها هيلين عن ما رأت، فكان جواب صديقتها: “لا شيء يستحق الذكر”.

أثار هذا الجواب في نفس هيلين الاستنكار لعدم معرفة المبصرين بمدى كِبر نعمة عيونهم التي يمتلكون، حيث قالت “كيف يكون من الممكن أن يتجول المرء ساعة من الزمن بين منعطفات الغابة ولا يرى شيئا يستحق الذكر؟ أنا التي لا أستطيع أن أبصر شيئاً اكتشفت مئات الأشياء التي تتملك النفس من خلال اللمس العابر”.

وأبدعت لنا كتابها (الخفيف) في ما يقارب من خمس وأربعون صفحة، وتخيلت أنه لو كان بإمكانها البصر لثلاثة أيام فقط كيف ستعيشها. فقررت أنها ستعيش يومها الأول لرؤية الناس الذين أحبتهم “وجعلوا من حياتها شيئا يستحق الذكر” وخصت بالذكر معلمتها (ستيفان)، ثم صديقاتها، أرادت أن تدرس وجوههن وتحفظهن عن ظهر قلب حتى يتسنى لها استرجاع كل هذه الصور بعد انقضاء مدة البصر.

ثم قالت: “سيكون عليّ إتاحة الفرصة لعينيّ أن تأخذ راحتهما في النظر العميق لوجه طفل”، حيث أن الأطفال هم الوجه البريء والجميل والنظيف من الحياة.

انتقلت هيلين لليوم الثاني – في خيالها وكتابها – دون أن تنام، قالت أنها ستكون مستيقظة في الفجر كي ترى تحول الليل لنهار وانبلاج الضوء الذي لا يراه كثيرون منا إلا في شكل روتين يومي للشمس، ثم ستذهب لترى العالم من خلال المتاحف والفنون بمختلف تصنيفاتها بعينيها، وذلك لأن الفن هو الحياة، وهيلين عاشقة للحياة بدون أدنى شك.

جاء اليوم الثالث واقتربت عودة العمى، لم تفكر هيلين كثيرا في كيفية قضاء يومها الأخير برفقة عينين مبصرتين، بل قررت فورا أنها يجب أن تشهد الفجر مرة أخرى، ودَعَتْنا – نحن المبصرون – أن نتخذ من الفجر أغنية نحتفل بها كل يوم.

وستذهب بعد ذلك لرؤية العالم عن طريق الناس وبيوتهم ومتاجرهم وقراهم ومزارعهم، وعندما يحين الليل تقرر هيلين أن تشاهد تمثيلية مضحكة، وسترجع لغرفتها وسيعود لها ظلامها مرة أخرى، لتسترجع بعدها كل الصور والمشاهد التي رأتها في أيامها الثلاث الجميلة، كما أجزمت أنها ستعرف فيما بعد أن ما أغفلت عينيها عليه أكثر بكثير من الذي شاهدته، ورغم ذلك فإنها ستكون راضية بما خزنته من “ذكريات حية حقيقية” على حد وصفها.

ثم تقول هيلين أن ما قررته خلال أيامها الثلاث المتوجة بعينين سليمتين قد لا يتفق مع أحد آخر إذا حل مكانها.

ثم أسدت إلى القراء نصيحة – أعتبرها من أثمن النصائح التي أسديت إليّ – حيث قالت: “استفيدوا من عيونكم كما لو كنتم مهددين غدا بفقد هذه النعمة” وتابعت أنه يجب علينا تطبيق هذه النصيحة على جميع الحواس.

فيا ترى، نحن المبصرون هل نُبصر حقا، أم أن ما نراه هو ما تقع عليه أعيننا فقط؟ وهل نقدر هذه النعمة حق تقدير أم أننا اعتدناها ولا نعتبرها شيئا خارقا – كما هي في الحقيقة – ؟ هل ننعم فعلا بكل ما خلق الله لنا من طبيعة خلابة وعالم بديع؟ وهل نُحسن استخدام وتوظيف حواسنا وقلوبنا وعقولنا خير استخدام ؟

أخيراً، ختمت هيلين كيلر كتابها بجملة – أظن أن جميع سكان المعمورة يتفقون على صحتها: “إن كل هذه الحواس هبة تستحق الشكر، بيد أن نور البصر يعتبر من أجمل وأروع ما يدخِل البهجة إلى النفوس”.

عن الكاتب

مهتمة بالأدب والتاريخ والفلسفة

تعليق واحد



اضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.


يمكنك استخدام HTML وسوم واكواد : <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <s> <strike> <strong>

0

Your Cart