من ذاكرة الترحال (2): تاكسي إلى الحبيب - مشروع إثراء

ما إن تخطو خارجًا من جمارك مطار تونس قرطاج الدولي حتى يتلقفك أحد “الصيادين” – كما هي العادة في الكثير من مطاراتنا العربية – يحدوه الأمل أن تكون هذه زيارتك الأولى للبلاد أو على الأقل قد طالت غيبتك عنها .. يُظهر لك أنه ناصح أمين .. يعرض خدماته: صرف عملة، تاكسي، سكن .. أو غير ذلك. إذا قال لك أن الصرف موحد في جميع الوكالات بالمطار فلا تصدقه – وإن كان الفرق ضئيلا- ولا تصدقه أيضًا إذا قال لك ستجد صرفًا أفضل في المدينة.. أما إذا نصحك بالصعود إلى سيارات التاكسي عند باب المغادرة .. فقد صدقك على غير عادته، وغالبًا في هذه الحالة يكون قد اتصل بأحدهم ليستقبلك حيث نصحك، ليعرض اصطحابك إلى مركز المدينة بمبلغ قد يتجاوز 30 دينارًا تونسيًا في حين أن التكلفة الحقيقية وفقا لعداد الأجرة لا تتجاوز الأربعة أو الخمسة دنانير.

وللتاكسي في تونس العاصمة شأن عجيب، فتلك السيارات الصفراء يكاد يضيق بها الشارع، ومع ذلك قد يصعب عليك أن تجد من يتوقف لك في بعض ساعات النهار!! فعند بداية الدوام ونهايته وعند منتصف النهار حيث ينطلق الناس لتناول الغذاء، يكون الطلب على التاكسي في ذروته، وقلَّ أن تجد مركبة شاغرة، وإن وجدت فغالبًا ما يكون خارج العمل أو متوقفا للتدخين أو تناول القهوة. وفي مثل هذه الظروف لا احترام للدور ولن يفيدك الانتظار، ما لم تكن جريئا في الاندفاع نحو المركبة متجاهلا الآخرين. وهناك أعراف من المفيد معرفتها للتعامل مع سائقي التاكسي؛ فتلك التي تسير دون إشارة أعلاها لن يلتفت إليك سائقها وإن وقفت على رأسك؛ فهو خارج الخدمة. وهناك إضاءة في الركن السفلي الأيمن للزجاج الأمامي للسيارة مرتبطة بعداد الأجرة؛ فإذا كان لون الإضاءة أخضرًا فهو مشغول مع زبون غيرك ولن يقف لك بطبيعة الحال، وبالتالي ما عليك إلا التربص بالسيارة الصفراء التي تعلوها إشارة التاكسي ولون الإضاءة في الزجاج الأمامي حمراء! أما إذا صادفت سيارة مطفأة الإضاءة، فلربما دل ذلك على عداد عاطل أو معطل وإذا لم تتفق مع سائقها ابتداءً فقد وقعت في الفخ. وفي جميع الأحوال عليك الانتباه؛ عين على العداد وأخرى على الطريق.

هذا عن التاكسي، أما الحبيب فهو الشارع الرئيس في تونس العاصمة؛ شارع الحبيب أبو رقيبة، كما هو معلوم. كان يسمى بشارع البحرية على عهد الحماية الفرنسية ثم أطلق عليه اسم شارع جول فاري (نسبة إلى سياسي فرنسي استعماري خلال القرن التاسع عشر) خلال الفترة من 1900 وحتى الاستقلال. ومن بعد تحول إلى المسمى الحالي كأغلب الشوارع الرئيسية في المدن التونسية كتقليد طيلة عهد أبورقيبة. بعد عام 1987، في عهد بن علي، احتفظ شارع العاصمة باسمه في حين استبدل المسمى في بعض شوارع المدن الأخرى. وشهد هذا الشارع المظاهرة الرئيسية العارمة في الثورة التونسية والتي هددت بالتوجه إلى القصر الرئاسي.

شارع الحبيب أبو رقيبة، الشارع الرئيس في تونس العاصمة

كل ما حولك يذكرك بالمنظومة الفرنسية .. الأرصفة العريضة وانتشار المقاهي عليها وأعمدة الانارة وأصص الورود المعلقة بها، تستدعي إلى الذاكرة جادة الشانزليزيه بباريس. أما الرصيف العريض المشجر بين نهري الطريق فهو أقرب إلى رصيف الشارع الرئيس بمدينة تور الفرنسية (جادة بيغونجيه وأغتولو) والذي يستغل لتنظيم المعارض والأسواق الشعبية والتظاهرات، هنا كما هناك. وعلى غرار المنظومة الفرنسية أيضا اعتمدت منظومة التعريب التونسية (وهي جديرة بالإعجاب) التفريق بين : النهج ، الشارع، الجادة .. الخ، هذا على صعيد المسمى وإن كان من الصعوبة أن يتضح لك الفرق على الأرض بشكل دقيق وقطعي.

الأرصفة، المقاهي، أعمدة الإنارة، أصص الورود، كلها تستدعي إلى الذاكرة جادة الشانزليزيه

يبدأ الشارع من الناحية الجنوبية بتمثال ابن خلدون، عن يمينه السفارة الفرنسية وعن شماله الكنيسة. أما على الطرف المقابل فينتصب برج الساعة الذي حل محل تمثال أبورقيبة مع نهاية عهده. وعلى ذكر الكنيسة فهي معلم بارز في الشارع ببرجيها الضخمين وكأنها مستوحاة أيضا من “كاتدرائية نوتر دام” بباريس (تلك التي كانت مسرحا لرواية أحدب نوتردام للكاتب الشهير فيكتور هيجو) وقل مثل ذلك (من حيث المعمار والموقع المميز) عن كنيسة الرباط عاصمة المغرب الأقصى.

  

  تمثال ابن خلدون وعن شماله الكاتدرائية ويقابله على الطرف الأخر برج الساعة

يعتبر المسرح البلدي من المعالم المهمة أيضا بشارع الحبيب والتي يمكنك الرجوع إليها لوصف أي عنوان آخر، وكذا مقر وزارة الداخلية المحاط بالأسلاك الشائكة والحرس شأنه في ذلك شأن السفارة الفرنسية على الطرف الآخر من الشارع. ولا يلحظ الزائر مسجدًا واضحًا للعيان بشارع الحبيب ولا يكاد يسمع فيه آذان قريب.

تحيط بالشارع الفنادق من مختلف الدرجات والسعات، ولكن من الأفضل أن تخفض سقف توقعاتك من حيث الجودة، كما ينبغي الحذر  من الحجز عن طريق المواقع الإلكترونية، فقد تصدم بفارق السعر أحيانا لصالح الحجز على عين المكان، على غير المعهود من توفير الحجز الالكتروني المسبق تخفيضات مهمة عادة. وقد يكون من الأجدى تأجير شقة أو منزل إذا كانت الإقامة تتجاوز الأسبوع. كما تنتشر بالشارع وروافده المقاهي والمطاعم لجميع الأذواق والقدرات الشرائية، ولذلك حديث آخر إن شاء الله تعالى.

ملاحظة: كُتب أواخر سنة 2014، وما يرد فيه يعبر عن سياقه الزمني.

عن الكاتب

مصطفى العائب

عضو هيئة تدريس بكلية الهندسة – جامعة مصراتة


اضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.


يمكنك استخدام HTML وسوم واكواد : <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <s> <strike> <strong>