من ذاكرة الترحال (3): في رحاب الزيتونة - مشروع إثراء

شهدت منطقة الشمال الافريقي إبان الحضارة الاسلامية منارات للعلم ما فتئت تحظى باحترام وتبجيل المسلمين على مر التاريخ، ومن هذه المنارات جامع الزيتونة في البلاد التونسية. وبالرغم أن العاصمة التونسية تعد وجهة رئيسية للكثير منا سواء للاستشفاء أو كمحطة عبور في الأسفار، إلا أن العديد – ربما – لا يعلم على وجه التحديد موضع جامع الزيتونة، ولعل البعض يظن انه بمدينة القيروان – لارتباطها بالفتح الاسلامي للمنطقة – وليس على مرمى حجر من شارع الحبيب.

يمثل شارع الحبيب أبورقيبة نواة مدينة تونس العصرية التي تم تشييدها مع بداية القرن العشرين والتي ما برحت أحياؤها الجديدة تنمو وتتطور دون توقف. بيد أن العاصمة التونسية مثقلة بالتاريخ من خلال مدينتها العتيقة المحافظة على تصميمها المعماري منذ خمسة قرون. اهتم بها الأمراء الأغالبة وجعلها الحفصيون عاصمة ملكهم وشيدوا فيها العديد من المعالم التي لاتزال ماثلة إلى اليوم. وكذا اهتم بها البايات وساهموا في تجميلها، وهي مسجلة من قبل اليونسكو ضمن التراث العالمي [1]. وتونس العتيقة عبارة عن متاهة كبرى من الأزقة المتعرجة والقباب يحيط بها سور لازالت أبوابه قائمة الى الأن؛ مثل: باب سويقة، باب عسل، باب سعدون، باب بحر ..الخ.

عندما تغادر شارع الحبيب من ناحية نصب ابن خلدون، ماهي الا دقائق ويطالعك “باب بحر” وهو بناء حجري ضخم على هيأة قوس أبوابه مشرعة يفضي إلى ساحة بها نافورة مياه دون حوض ظاهر، تتدفق المياه فيها مباشرة من الأرضية وتعود إليها. وعلى مشارف الساحة يبدو مبنى متعدد الطوابق حديث نسبيا وقد روعي فيه الطراز المعماري للمدينة. وفي مواجهتك مباشرة تجد نهج “جامع الزيتونة”. وبمجرد أن تدلف إليه، يكون عن يمينك مسجد “المهراس” – والذي يقال أنه من أقدم المساجد في المدينة العتيقة – ولا تكاد تلحظ مدخله المتراصف مع الحوانيت القديمة.

“باب بحر” من ناحية المدينة العتيقة، والساحة التي يفضي إليها.

نهج جامع الزيتونة هو شارع نمطي للمدن المغاربية القديمة.. كل شيء هنا يذكرك بمدينة فاس بالمغرب الأقصى، الأزقة الضيقة المرصوفة بالحجارة والمحاطة بحوانيت الصناعات التقليدية الجذابة. يتسلل لها ضوء الشمس بخجل فيبعث في النفس شعور غريب بالراحة. وكما في مدينة فاس أيضا فإن الشوارع تنحدر إلى الخارج؛ أي أنها ترتفع كلما تقدمنا نحو مركز المدينة، وإن بدى لي أن شوارع فاس أشد انحدارا ولست متأكدا من صحة هذا الانطباع. في مثل هذه الأزقة لا سبيل لدخول المركبات الحديثة وحسبها أن تستقبل الراجلة والعربات المدفوعة، بل أنه في ساعات الذروة يشق المرء طريقه بصعوبة من شدة الازدحام. ويمكن للزائر أن يجد في الشارع المطاعم والمصارف وآلات سحب العملة ومختلف الخدمات التي تهم السائح.

نهج جامع الزيتونة.

مع الاقتراب من نهاية النهج تزداد اضاءة النهار تدريجياً، حيث يفضي الشارع إلى ساحة متسعة نسبياً يربض بها جامع الزيتونة المعمور.. ذلك الصرح العتيد الذي يتربع على مساحة 5000 متر مربع وترتفع جدرانه بشكل مهيب. وما أن تخطو داخلا إلى بيت الصلاة، حتى تختفي أصوات الباعة وضجيج المدينة وتغمرك روحانية المكان المضمخة بقرون من الذكر والترتيل.

جامع الزيتونة كما يبدو عند نهاية النهج، ويلاحظ ارتفاع منسوب صحن الصلاة.

يعد جامع الزيتونة أول جامعة في بلاد الإسلام، وهو ثاني المساجد التي بنيت في إفريقية بعد جامع عقبة بن نافع في القيروان، ويُرجح أن من أمر ببنائه هو حسان بن النعمان – رضي الله عنه – عام 79هـ، وقام عبيد الله بن الحبحاب بإتمام عمارته في 116هـ. وانتظمت الدروس فيه منذ 120هـ (737 م) واحتفظ طيلة ثلاثة عشر قرناً، بقيمته وأهميته العلمية بالرغم من النكسة الكبرى التي تعرض لها بدخول الجيش الإسباني في صائفة 1573، وحوّلوه إلى إسطبل، واستولوا على مخطوطاته، ونقلوا عددا منها إلى إسبانيا وإلى مكتبة البابا، وغاب الزيتونة أربعين سنة إلى أن حرره القائد العثماني سنان باشا وقد وصل درجة من الضعف أن بعض المدرسين لا يتقنون أصول اللغة العربية فاستجلبوا مدرسين للغة العربية من تركيا، ولكن سرعان ما استعاد عافيته وعاد منارة للعلم والمعرفة إلى ان أغلقها الحبيب أبورقيبة وفيها، حينها، 25 ألف طالب يدرسون ويأخذون رواتب ويسكنون على حساب أوقاف الزيتونة. ومن بعده بن علي. اليوم بعد نحو نصف قرن من الاغلاق ها هي الزيتونة تعود من جديد وتشرع في فتح فروعها بمختلف المدن التونسية وخارج القطر ليعود لها بريقها الأخاذ وشهرتها العالمية [2].

استئناف التعليم الزيتوني بعد الثورة التونسية.

ومن أبرز رموز جامعة الزيتونة على مر العصور: علي بن زياد، وأسد بن الفرات، والإمام سحنون صاحب المدوّنة، والفقيه المفسّر والمحدّث محمد بن عرفة التونسي صاحب المصنّفات العديدة، وابن خلدون المؤرخ ومبتكر علم الاجتماع. وفي العصر الحديث: الشيخ أحمد بن باديس الجزائري، ورئيسا الجزائر أحمد بن بلّا والهواري بو مدين، وأنجبت الطاهر بن عاشور صاحب التفسير، والشيخ النيفر، ومحمد الخضر حسين شيخ جامع الأزهر… ومثلهم كثير.

********

يرتفع منسوب صحن الصلاة بجامع الزيتونة ما يزيد عن مترين عن مستوى الطريق، وعند صعودك يقابلك رواق خصصت فيه أبواب للرجال وأخرى للنساء حيث خصص جزء من صحن المسجد للنساء مع التشديد على ضرورة الالتزام باللباس الشرعي للداخلين. وهذا التنبيه بشأن الثياب الذي قد يبدو مستغربا للبعض، يعد مألوفا في الدول السياحية كتركيا وتونس والمغرب، حيث يرتاد آلاف السواح من مختلف الملل والنحل المعالم الاسلامية. في الزيتونة كما في الكثير من مساجد البلاد التونسية، تستخدم القباقيب الخشبية للوضوء كما تستخدم الحصر الملونة في كساء الأرضية والجدران. وهنا تستخدم قطع السجاد الخفيفة فوق الحصر في حين تخص منطقة المحراب وما جاورها بالسجاد العجمي. وتترك المسافة بين الاسطوانات دون سجاد لوضع الأحذية والأغراض الشخصية على الحصير مباشرة على مرأى من صاحبها.

الداخل إلى بيت الصلاة يلحظ غابة من الأعمدة الرخامية التي يبدو من تيجانها أنها جلبت من الآثار الرومانية القديمة ولعلها من ضاحية قرطاج القريبة، وفيما عدا ذلك يغلب عليه الطابع المعماري المغاربي الأندلسي من حيث أقواس الآجر وتعاقب اللونين الأبيض والأسود في الألواح الرخامية ونحت الجبس في واجهة المحراب، وكذا الأسقف الخشبية. ومن المعتاد إضاءة الثريا البلورية الضخمة في منطقة المحراب، في حين يحتفظ بإضاءة خافتة في بقية أرجاء المسجد مما يتيح بيئة رهيبة للتأمل والذكر والتلاوة كما يوفر ملجأ لقضاء قيلولة مريحة للبعض وخصوصا في شهر رمضان المبارك.

يتناوب على الإمامة في جامع الزيتونة عدداً من الأئمة، ولكل طريقته فيما يبدو؛ فمنهم من يبدأ في الذكر الجماعي فور السلام من الصلاة؛ والذي يشمل الصلاة على النبي ثم “اللطفية” ولا يترك مجالا لمعقبات الصلاة المأثورة، ومنهم من يدعو جهرا وبين الفينة والأخرى يؤمن أحدهم (يبدو أنه احد المؤذنين) بصوت عال ويتبع ذلك تأمين من آخر المسجد. ولخطيب الجمعة في المساجد التونسية عرف خاص؛ حيث يقدمه حاجب يشق الطريق أمامه إلى أن يصعد المنبر.

وفي أماكن محددة من المسجد تجد لوحات تبين انعقاد حلقات العلم على الطريقة التقليدية .. كحلقة التوحيد أو الفقه ونحو ذلك. ففي ظهيرة هذا اليوم الأحد – وهو يوم العطلة الأسبوعية بتونس – كانت هناك حلقة تحفيظ القرآن الكريم بالقراءة الجماعية على الطريقة المغاربية، وجل روادها من الكبار، ويبدو أن رواية قالون هي السائدة، حيث تتوفر مصاحفها الرائعة بمختلف الأحجام والتصنيف. وعلى الطرف الآخر من بيت الصلاة انعقدت حلقة لشرح متن الآجرومية في النحو؛ ويبدو أن أغلب روادها من الشباب المتحمس من غير المتخصصين. وكان ذلك الدرس الأول حيث لم يعتاد الطلبة بعد، طريقة الحلقات وكان الشيخ يقضي جزء من الوقت لتعليمهم طريقة قراءة المتن. كان يقول لهم: لا مجال في حلقتنا هذه لـ “سكّن تسلم” بل حتى الوقوف ينبغي أن يكون على متحرك لغرض التعليم. وبينما هو على حالته هذه، وإذ بشاب يدخل المسجد ويفشي السلام على من في الحلقة ثم يقول مخاطبا الشيخ: عندي رؤيا أريد تفسيرها، قال لي والدي اذهب إلى الزيتونة  وأسأل الصالحين. يرد الشيخ: يا ولدي نحن ليس لدينا إلا المبتدأ والخبر والفعل والفاعل، ارجع بعد العصر قد تجد من يعبرها لك. يهم الشاب بالخروج فيناديه الشيخ: تعال، هات ما عندك؟ يقص الشاب رؤيته في كلمات مقتضبة لم أتبينها .. يصمت الشيخ قليلا ثم يقول له:هل تصلي؟ يتلعثم الفتى ثم يقول : أحيانا. فيرد عليه : عليك أن تصلي أولا، بدون الصلاة ما ينفعك شيء! يخرج الفتى ويضحك بعض من في الحلقة، فيقول الشيخ : لقد أدركت من هيأته أنه لا يصلي، ثم يعود للآجرومية.

كما هو الحال في الطراز المعماري المغاربي/ الاندلسي، فلجامع الزيتونة فناء داخلي مكشوف ومرصوف، شأنه في ذلك شأن جامع القرويين بفاس أو جامع السنة بالرباط أو جامع قرطبة بالأندلس، بيد أن الفناء هنا خال من نافورة الوضوء المعتادة في تلك المساجد، كما ان المئذنة أقصر بشكل واضح من المآذن المغربية الاندلسية. وبالرغم أن النجمة السداسية لها وجود في الزخارف الأندلسية عموما، إلا أن الملفت للنظر هنا هو وجود النجمة السداسية بشكل منفرد واضح في زخارف الفناء تتناوب مع شكل متقاطع أقرب ما يكون إلى الصليب! فهل في ذلك اشارة الى أهل الكتاب؟ والتعايش معهم في صدر الحضارة الاسلامية؟! أم هي محض زخارف لا يعيها من قام بها من عمال البناء؟ الحقيقة لم أصل إلى تفسير واضح حتى ساعة كتابة هذه السطور!

ما ان تنزل بضع درجات من الباب الجانبي في الفناء، حتى تجد نفسك في أحد شوارع المدينة العتيقة المسقوفة، بين الباعة والحوانيت، ويأخذك صخب الحياة من جديد.

 

المئذنة ولقطات من الفناء الداخلي لجامع الزيتونة


 

[1] تونس ومدينتها العتيقة، منشورات الديوان الوطني التونسي للسياحة.

[2] مصدر 2

عن الكاتب

مصطفى العائب

عضو هيئة تدريس بكلية الهندسة - جامعة مصراتة


اضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.


يمكنك استخدام HTML وسوم واكواد : <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <s> <strike> <strong>

0

Your Cart